فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 2536

ثمة خلاف في المال الذي أدى صاحبه زكاته، هل يسمى كنزل أم لا؟ للعلماء في ذلك أقوال ثلاثة:

القول الأول: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز وإن أديت زكاته، وهو قول علي رضي الله عنه 67.

القول الثاني: الكنز، ما فضل عن الحاجة؛ فهو بذلك تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وهو مذهب أبي ذر رضي الله عنه - وهو من شدائده ومما انفرد به - وعلى هذا لا يجوز الكنز، بل يجب إنفاق الذهب والفضة جميعا مما يفضل عن حاجة العيال -واحتج أبو ذر بظاهر الآية {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية 68.

القول الثالث: ما أديت منه زكاته أو من غيره فليس بكنز، ولا يحرم جمعه أو ادخاره وإن كان كثيرا - وهو قول أكثر العلماء وهو الصحيح - 69 ويستدل على ذلك من السنة بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) - وكذلك ما أخرجه أبو داود عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا 70 من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز) .

والمراد تخويف الكافرين الذين يمتنعون من تزكية أموالهم المكنوزة؛ لما في ذلك من العدوان على حق الفقراء والمساكين بما يفضي إلى غضب الرحمن، وإعواز المحاويج وإحساسهم بالأم والحسرة؛ وبذلك فقد أعد الله للكانزين الأشحة المانعين الزكاة شديد العذاب، وتوعدهم بالنار تصطلي بها جلودهم وأبدانهم - وذلك من خلال الآية وهي غاية البلاغة والتأثير تفيض بهما روعة هذا التعبير - وهو من كلام اله المعجز الذي ينكص دونه كل كلام، وتدنو دونه الكلمات وبراعة الأقلام

{يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} {يوم} ، منصوب بمحذوف يدل عليه قوله: {بعذاب} أي يعبدون يوم يحمي عليها - أو منصوب بفعل تقديره: واذكر يوم يحمى 71 - والمعنى: أن ما أكتنزه المالكون من أموال لم تؤد زكاتها سوف توقد عليها نار الحامية، والشديدة الحرارة - وقد جعل الإحماء للنار مبالغة في التنكيل والتحريق؛ لأن النار في نفسها حامية، فإذا وصفت بأنها تحمى؛ دل ذلك على شدة توقدها وفظاعة اشتعالها وتحريفها - والمراد أن النار تحمى على المال المكنوز ليصير حاميا بالغ الحرارة، ثم تكوى بها بعد ذلك جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم - وقد خصت هذه المسميات بالذكر؛ لأن غرض الكانزين هم كنزهم وجمعهم المال أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة وإطراء فينزعون بذلك إعجاب الناس وتكريمهم لهم، فضلا عن ظواهر الرغد والتنعيم بالشهي من المطعوم وفاخر الملبوس - ومن أجل ذلك يكتوون على الأعضاء التي كانت تبرز فيهم لدى المفاخرة والاختيال، وعند طلب الوجهة وحسن الصيت، وهي الجباه - ثم جنوبهم وظهورهم التي كانت محلفة بالسمن لفرط الأكل والترف والتنعم بطيبات الحطام الفاني - لا جرم أن الكي على هذه المواضع أشنع وأوجع وأخزى؛ فهي مواضع التعبير عن الغرور الذي هوى فيه هؤلاء اللئام الأشحة، أو البطر الذي غشيهم فأنساهم حق الفقراء والمساكين والمعوزين فيما كنزوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت