فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 2536

قوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون 10 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} يذكر الله عباده بما أسبغ عليهم من النعم - ومنها: تمكنهم في الأرض؛ إذ جعل لهم فيها مكانا مستقرا وهيأ لهم فيها كل أسباب المعايش وهي جمع معيشة أي ما يعيشون به من المطاعم والمشارب - فالأرض ممهدة للعيش فيها والاستقرار لكنهم قليلو الذكر والشكران {قليلا ما تشكرون} قليلا منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف - أي تشكرون شكرا قليلا - وما، زائدة، والمعنى: أنكم قليلا ما تشكرون الله على ما أنعمه عليكم من النعم الكثيرة.

وقوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} والمراد بقوله: {وخلقناكم} آدم؛ فهو المخلوق.

وقوله: {صورناكم} أي ذرية آدم، وحقيقة ذلك: أن آدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود - أما ذريته فقد صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصرب الآباء.

قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} أي لما صورنا آدم وجعلناه خلقا سويا ونفخنا فيه من روحنا، أمرنا الملائكة بالسجود له، ابتلاء واختبارا لهم بهذا الأمر كي يستنبن الطائع منهم من العاصي، فسجدوا كلهم باستثناء إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم - على أن المراد بالسجود هو تعظيم آدم وليس نفس السجدة - وقيل: المراد نفس السجدة لكن المسجود له هو الله - وقيل: بل إن المسجود له هو آدم.

قوله تعالى: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} ما استفهامية في موضع رفع مبتدأ.

والجملة الفعلية من {منعك} في محل رفع خبر المبتدأ - وألا، في موضع نصب مفعول منعك - ولا زائدة - والتقدير: ما منعك أن تسجد - وإذ، ظرف زمان 6 وهذه الآية مما استدل به كثير من الأصوليين على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب على الفور؛ لأن الله ذم إبليس على ترك المبادرة - ولو لم يكن الأمر للفور لما استحق إبليس الذم على التأخير، ولكان له أن يقول: إنك لمن تأمرني بمبادرة السجود على الفور - وقد خاطب الله هذا المخلوق الشقي محتقرا إياه، وتقدير ذلك أنه: أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ وذلك أن إبليس كائن غريب يختلف اختلافا أساسيا عن سائر الكائنات الأخرى، فغنه هو وجنوده من شياطين الجن ذوو جبلة مستعصية، فطرت على الخبث والنزوع للشر والفسق.

ذلك هو إبليس وجنوده من شياطين الجن - إنهم لا أمل ف هدايتهم البتة؛ لأنهم أولو طبائع خاوية شريرة، محفلة بالعتو والجحود، غاية في الالتواء والشذوذ.

وهم إنما يجنحون بطبيعتهم في كل آن للإفساد والتضليل والإغواء.

ومما يدل على هذه الحقيقة الراسخة، ما أجاب به إبليس اللعين؛ ربه إذا قال {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} ومثل هذا الجواب لا يصدر إلا عن كائن لئيم مقبوح، جبل على الشر والباطل - ومن يجترئ على مثل هذا الجواب اللئيم المتوقح العاتي لرب العالمين إلا كائن لعين أثيم كإبليس ينطق بهذه المقولة في وقاحة لا تبلغها وقاحة الأشرار والعتاة إلا في مثل إبليس الرجيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت