(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) الشقوة، من الشقاء وهو ضد السعادة 49 والمراد به هنا: سوء المصير الذي يؤول إليه الخاسرون الظالمون - والمعنى: قامت علينا الحجة - بما ظهر لنا في الدنيا من الدلائل الواضحة لكن غلب علينا ما سبق لنا في علمك القديم، وما كتب علينا في أم الكتاب من سوء المآل - وقيل: المراد بالشقوة اللذات والأهواء - فقد غلبت هذه علينا فأودت بنا إلى التعس وسوء المصير.
قوله: (وكنا قوما ضالين) كنا من التائهين السادرين في الضلالة والغي - وذلك إقرارهم بضلالهم عن الهدى.
قوله: (ربنا أخرجنا منها) يسألون ربهم وهم يتقاحمون في النار،
أن يخرجهم منها؛ ليعودوا إلى طاعته وعبادته وحده لا يشركون به شيئا.
قوله: (فإن عدنا فإنا ظالمون) أي إن عدنا إلى الضلال والمعصية فقد ظلمنا أنفسنا باستحقاقنا العذاب.
قوله: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} خسأ وانخسأ، أي خضع - خسأ الكلب - أي طرده 50 (اخسئوا فيها) أي انزجروا وامكثوا في الذل والمهانة (ولا تكلمون) لا تكلمون في رفع العذاب عنكم؛ فإنه لا يرفع ولا يخفف عنكم - وذلك زيادة في التعنيف والتنكيل.
قوله تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) } يذكر الله المجرمين بما فعلوه من الذنوب والمعاصي في الدنيا، ومن جملة جرائمهم ومعاصيهم في حياتهم الدنيا استهزاؤهم بالمؤمنين المستضعفين كبلال وعمار وخباب وصهيب، وغيرهم من ضعفة المسلمين الذين آمنوا بربهم فكانوا من المخبتين المتضرعين لله بطلب المغفرة والرحمة.
قوله: (فاتخذتموهم سخريا) بكسر السين - وقرئ بضمها وهما لغتان بمعنى واحد - من سخر يسخر من الهزء واللعب 51 - أي سخرتم منهم واستهزأتم بهم لكونهم مؤمنين لا يعبدون غير الله من الأنداد والشركاء (حتى أنسوكم ذكري) أي شغلكم الاستسخار بهم وبعبادتهم عن ذكركم لي (وكنتم منهم تضحكون) وهذا هو ديدن المجرمين من كل أمة، يضحكون من الفئة المؤمنة الثابتة على الحق، وعلى صراط الله المستقيم؛ فلا يزيغون ولا يتحولون - يضحكون منهم استهزاء وسخرية - إنه ديدن التاعسين التافهين من الظالمين في كل زمان؛ فإنهم يتجلجلون في الضلالة والجهالة والرجس، وهم يحسبون أنهم على شيء، وهم في الحقيقة واهمون مخدوعون مضللون؛ إذ سوّلت لهم الشياطين من الجن والإنس أن يسخروا من المؤمنين المستضعفين ويضحكوا منهم على سبيل التهكم والاستخفاف - والله يشهد والراسخون في إدراك الحقيقة يعلمون أن هؤلاء المستسخرين جهلة، وأنهم منحدرون في دركات العماية والسفاهة وصفاقة الأذهان والضمائر.