وضروب الميسر كثيرة ومختلفة، منها اللعب بالنرد أو القداح أو الكعاب المصنوعة من الحجارة وغيرها - وكذا الشطرنج إن كان للمقامرة على المال - وغير ذلك من صور القمار أو الميسر - فهو اسم يجمع كل أنواع القمار - قال ابن سيرين ومجاهد وعطاء في ذلك: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز - والخطر، معناه السبق الذي يتراهن عليه - نقول أخطرت المال إخطارًا أي جعلته خطرًا بين المتراهنين - وخاطرته على مال، أي راهنته عليه.
أما الشطرنج ففيه تفصيل - فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: النرد والشطرنج من الميسر - وقال الشافعي رحمه الله: إذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان لم يكن حرامًا، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال أو مال - وهذا ليس كذلك فلا يكون قمارًا ولا ميسرًا.
وقيل: اللعب بالنرد والشطرنج حرام، قمارًا أو غير قمار - لأن الله قرن مطلق الميسر بالخمر وهي محرمة - وكذلك فإن اللعب بالشطرنج كالميسر في إلهائه اللاعبين به - إذ يشغل أذهانهم وبالهم ويلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة - وهو الظاهر من مذهب المالكية - قال الإمام في ذلك: الميسر ميسران: ميسر اللهو وميسر القمار - فمن ميسر اللهو: النرد والشطرنج والملاهي كلها - وميسر القمار، ما يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر (198) .
قوله: {وَالأَنْصَابُ} جمع ومفرده النصب بسكون الصاد وضمها (199) والأنصاب هي الأصنام المنصوبة للعبادة - والفرق بينها وبين الأصنام أن الأنصاب حجارة غير مصورة كانوا يقصدونها للعبادة ويذبحون عندها - أما الأصنام فهي ما صور وعبد من دون الله.
قوله: {وَالأَزْلاَمُ} مفرده زلم بالتحريك - ويراد بها القداح أو السهام التي كانوا يستقسمون بها في الجاهلية (200) .
قوله: {رِجْسٌ} أي قذر تعاف منه النفوس وتشمئز منه الطبائع السليمة - أو هو ما استقذر من عمل قبيح - ويقال للنتن والعذرة رجس.
قوله: {مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} في محل رفع صفة لرجس - أي أن هذا الرجس سببه تزيين الشيطان وتسويله لابن آدم، فهو الذي يحمله على فعله.
قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} أي اتركوه وارفضوه - أو اجعلوه جانبًا - أو كونوا جانبًا منه - وفي ذلك إيحاء بشدة النهي والتحريم؛ لأن الأمر بالاجتناب يتضمن تكليفًا جازمًا بالابتعاد عن هذه المذكورات ومجانبتها وعن مجرد الاقتراب منها لأجل مسها أو حملها.
والضمير في اجتنبوه، يعود على الرجس - والرجس واقع على الأربعة المذكورة المنهي عنها وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.
وقيل: عائد على الشيطان الذي يزين للناس فعل هذه المنكرات - قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لكي تدركوا النجاح والنجاة فتفوزوا عند ربكم بترككم هذه المعاصي والمنكرات واجتنابها.
قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ} أي أن الشيطان يسول لكم شرب الخمر والمقامرة، إرادة منه أن يغويكم فيوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر وفي مياسرتكم ومقامرتكم ليعادي بعضكم بعضًا ويبغض بعضكم بعضًا فيتشتت أمركم ويتمزق صفكم بعد أن ألّف الله بين قلوبكم بالإيمان وأخوة الإسلام.