ومنها ما أخرجه البيهقي عن عائشة قالت:"اشربوا ولا تسكروا".
ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة"وفي رواية"الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة"فيستفاد من ذلك أن ما سوى عصير العنب ليس حرامًا شربه إلا إذا بلغ السكر - وهو ما نظنه قولًا مرجوحًا فلا ينبغي الركون إليه لاستناده إلى أدلة طعن فيها كثير من العلماء لضعفها واضطرابها - وبذلك فإن سائر الخمور حرام مهما كان مصدرها سواء كانت من العنب أو العسل أو التمر أو الشعير أو غير ذلك من عصارات الفواكه - فما صار من العصارات مسكرًا فهو حرام قليله وكثيره - وليس أدل على ذلك من حديث ابن ماجه"إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا".
وقوله عليه الصلاة والسلام:"كل شراب أسكر فهو حرام".
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".
ويعزز ذلك أيضًا قول عمر رضي الله عنه في تعريف الخمر:"الخمر ما خامر العقل"والمخامرة تعني المخالطة والستر - فكل ما خالط العقل وستره من المسكرات سمي خمرًا فهو بذلك حرام.
ولو تحولت الخمر بنفسها إلى خل فقد طهرت وحل أكلها بغير خلاف.
ولا يجوز تخليلها، أي تصييرها خلاًّ بالمعالجة - وهو قول الجمهور من العلماء.
ودليل ذلك ما رواه أبو سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنه ليتيم؟ قال:"أهرقوه"رواه الترمذي.
وروى مسلم عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتخذ الخمر خلاًّ - قال:"لا".
وروى أبو داود عن طلحة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا؟ فقال:"أهرقها"قال: أفلا أخللها؟ قال:"لا"وهذا نهي يقتضي التحريم - ولو جاز استصلاحها بالمعالجة لما جازت إراقتها لكونها بالاستصلاح مالًا - وهو لا يجوز إتلافه - فدل ذلك على أنها لا تصير بالمعالجة حلالًا.
ولو نقلت الخمر من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت من غير أن يلقي فيها شيئًا ففي إباحتها عند الشافعية والحنبلية قولان.
وذهب آخرون إلى أن الخمر تطهر إذا تخللت بالمعالجة - وهو قول الحنفية والثوري والأوزاعي والليث بن سعد؛ وذلك لأن علة تحريمها قد زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها (196) .
قوله: {وَالمَيْسِرُ} عطف على الخمر - والميسر معناه القمار - وهو من اليسر بفتح الباء، وهو اللعب بالقداح للقمار - والياسر الذي يلعب بالقداح - والياسرون الذين يتقامرون - واشتق الميسر من اليسر؛ لأنه أخذ للمال من الرجل بيسر وسهولة - وبذلك فإن المقصود بالميسر: القمار - وهو المخاطرة بين اثنين على مال أو غيره - فأيهما قمر صاحبه أخذ ماله (197) .
والميسر أو القمار واحد من الأساليب الخسيسة لكسب المال حرامًا - فأيما مال اكتُسب عن طريق الميسر أو المقامرة فهو حرام لا يحل لآخذه - بل إنه من جملة السحت الذي يمحق البركة من عيش المتقامرين وحياتهم ثم يفضي بهم إلى عذاب الله.