وفي قول آخر بأن الطيب يعني التراب المنبت فالذي لا ينبت لا يسمى طيّبا وعلى هذا فإنه لا يجوز التيمم بغير التراب الخالص وهو المنبت ذو الغبار - وهو قول الشافعي وأحمد، والإمام أحمد يعتبر جواز التيمم بوجود التراب ولو كان غبارا - وعلى هذا لو ضرب يده على صخرة أو حيوان أو حائط أو ثوب أو أي شيء فصار على يديه بذلك غبار جاز له التيمم به - وإذا لم يكن فيه غبار فلا يجوز.
قوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) المراد بالمسح هو إمرار اليد على الممسوح - واختلفوا في اشتراط نقل جزء من التراب إلى العضو محل التيمم - فقد اشترط الإمام الشافعي ذلك استنادا إلى قوله تعالى في آية أخرى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وقوله: (منه) يفيد نقل جزء من التراب - وخالف مالك في ذلك وذهب إلى عدم اشتراط نقل التراب استنادا إلى أن النبي (ص) لما وضع يديه على الأرض للتيمم ورفعهما نفخ فيهما، وفي رواية أخرى نفضهما.
وثمة مسألة أخرى وهي: هل يكفي في التيمم ضربة واحدة أم لا؟ فقد ذهب الأئمة مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث إلى أن التيمم لا بد فيه من ضربتين إحداهما للوجه والاخرى لليدين الى المرفقين قياسا على الوضوء وذهب الامام احمد بن حنبل وأهل الظاهر إلى أنه يكفي فيه ضربة واحدة، واحتجوا لذلك بما رواه الشيخان عن عمار قال: بعثني النبي (ص) في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة - ثم أتيت النبي (ص) فذكرت ذلك له فقال:"إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا"ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة - ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه 83.
(إن الله كان عفوا غفورا) الله سبحانه كان وما زال عفوا غفورا - والعفو هو المحو - والمغفرة تعني الستر والتغطية - فالله جلّت قدرته بفضله ومنّه وكرمه يمحو الخطايا والذنوب التي يقارفها المسيء ويسترها فلا يظهر عليها أحدا من خلقه.
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) يخاطب الله نبيه (ص) عن (الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) وهم اليهود والمراد بالكتاب التوراة وقد كان من شأن اليهود أنهم حرّفوا كتابهم المنزل مثلما سولته لهم أهوائهم الفاسدة، فكان ذلك بمثابة الشراء الفاسد المقبوح الذي يستبدل فيه الضلال ليكون موضع الهدى وهم يبتغون مع ذلك كله للمسلمين أن يضلوا فيسلكوا مسالك الضلالة والهلاك.
قوله تعالى: (والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا)
والله سبحانه وتعالى عليم بحقيقة هؤلاء الضالين المنحرفين الذين يعادون المسلمين شديد العداوة، وهم رغم عداوتهم ومكرهم فإن الله سبحانه يكفي المسلمين ويدرأ عنهم كل عوادي الكيد والدسائس وهو سبحانه الولي والنصير.