فهرس الكتاب

الصفحة 1284 من 2536

قوله: (من حمإ مسنون) الحمأ، جمع حمأة، وهو الطين المتغير إلى السواد، والمسنون معناه المنتن المتغير من قولهم: أسن الماء؛ إذا تغير، وهو قول ابن عباس.

هكذا خلق الله الإنسان - خلقه من تراب قد جبل بالماء فتحول طينا أسود منتنا ثم جف ويبس فصار كالفخار يُسمع له صلصلة إذا نقر - حتى إذا نفخ الله فيه من روحه صار خلقا آخر بسريان الروح فيه - وذلكم الإنسان بصفاته وخصائصه التي تميز بها من كل الأحياء - وذلك بما أوتي من عقل مفكر مدكر، وضمير وازع حافز، وجسد وأعصاب وحواس وأعضاء كثيرة ومختلفة يكمل بعضها بعضا ليتحقق الإنسان المتكامل المنسجم المميز - لا جرم أن خلق الإنسان شاهد عظيم على قدرة الصانع الجليل الذي خلق كل شيء وأحاط علمه بكل شيء.

قوله: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} المراد بالجان إبليس، وقيل: المراد أبو الجن - فآدم أبو الإنس، والجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين - قال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين؛ بل إن الشيطان ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس لكن الجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر.

على أن الجان خلقه الله من قبل أن يخلق آدم - وقد خلق الله الجان (من نار السموم) أي من الريح الحارة التي تقتل - وسميت سموما؛ لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن - ومنه السم القاتل - وقيل: نار السموم تعني لهب النار - وقيل غير ذلك مما جملته السموم وهو البالغ الحرارة الذي خلق الله منه الجان من قبل أن يخلق الإنسان 20.

قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصل من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) } (إذ) تدل على ما مضى من الزمان - وهي ظرف في موضع النصب بفعل تقديره، اذكر؛ أي واذكر يا محمد وقت قوله تعالى للملائكة: (إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون) ذلك تقدير رباني لا يتخلف ولا معقب له - وهو أنه سبحانه خالق بشرا وهو الإنسان، ذكرا أو أنثى، واحدا أو جمعا - وقد يثنى، ويجمع أبشارا، وسمي بذلك؛ لأنه ظاهر الجلد 21 (من صلصال من حمإ مسنون) تقدم تفسيره.

قوله: (فإذا سويته) أي فعلت فيه ما يصير به مستويا معتدلا، أو منسجما متكاملا متسقا لا عوج في خلقته ولا شذوذ.

قوله: (ونفخت فيه من روحي) النفخ معناه إجراء الريح من الفم 22 - والمراد هنا: إفاضة ما به الحياة في البدن ليصير إنسانا حيا واعيا مدركا - وأضاف الله روح آدم إلى نفسه إكراما له، قال الطوسي في التبيان عن هذا المعنى: الروح جسم رقيق روحاني فيها الحياة التي بها يجيء الحي فإذا خرجت الروح من البدن كان ميتا في الحكم - فإذا انتفت الحياة من الروح فهو ميت في الحقيقة 23.

قوله: (فقعوا له ساجدين) ذلك أمر الله للملائكة الأطهار أن يسجدوا لآدم عليه السلام - وذلك على سبيل التحية والتعظيم لآدم.

وقيل: إنه سجود بالمعنى المتبادر من قوله: (فقعوا له ساجدين) والوقوع معناه، السقوط على الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت