فهرس الكتاب
وذلك تنبيه من الله على عظيم شرف القرآن وقدره وعلى تكريم هذه الأمة؛ إذ كتب لها هذا الشرف وبما يتجلى فيها من سماحة العقيدة وكمال التشريع ومحاسن الأخلاق؛ فهذه الأمة آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، حاملة للواء التوحيد والفضيلة والرحمة للبشرية كافة.
قوله: (أفلا تعقلون) الاستفهام للتوبيخ والتقريع؛ أي أفلا تعقلون ما أنعم الله به عليكم من التشريف بالقرآن وما تتحلون به من المكارم والشمائل والمزايا.
قوله: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) (كم) ، في محل نصب بالفعل (قصمنا) - و (قصمنا) من القصم وهو الكسر 6 - والمراد به هنا الإهلاك؛ أي أهلك الله كثيرا من أهل القرى كانوا مشركين جاحدين ثم خلق الله بعد إهلاكهم
(قوما آخرين) سكنوا في مساكنهم.
قوله: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} لما عاين هؤلاء الذين أهلكناهم ما أنزلنا بهم من العذاب (إذا هم منها يركضون) (إذا) الفجائية؛
أي بادروا للهروب والفرار مسرعين خائفين.
قوله: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) نادتهم الملائكة على سبيل التهكم والاستهزاء قائلين: ارجعوا إلى ما كنتم فيه من الترف والنعمة والبطر (لعلكم تسألون) أي ارجعوا إلى كل ذلك لعلكم تسألون شيئا من دنياكم -
وذلك على وجه السخرية.
قوله: {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} عندما أحس الظالمون بأس الله نازلا بهم صاحوا يائسين مذعورين: يا هلاكنا لقد ظلمنا أنفسنا بكفرنا
وذلك اعتراف منهم في حين لا يجدي معه الندم.
قوله: {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} عندما أتاهم عذاب الله لم تزل هذه دعواهم وهي قولهم (يا ويلنا إنا كنا ظالمين) حتى جعلهم الله (حصيدا) أي حتى قتلهم الله فحصدهم بالسيف كما يحصد الزرع ويستأصل (خامدين) أي ميتين - من الخمود وهو الهمود 7.
قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} ذلك بيان من الله للناس بأنه لم يخلق هذا الكون على سبيل العبث واللهو الذي ليس منه جدوى وإنما خلق الله ذلك ليستدل به على قدرته المطلقة وأنه المدبر لأمور الخلق والعالمين، وللتنبيه على امتثال أوامره والإذعان لجلاله وما شرعه للناس من ملة ومنهاج.
قوله: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) المراد باللهو هنا الولد أو المرأة - وهو رد على قول المتقولين الذين زعموا أن عيسى ابن الله وأن مريم صاحبته - تعالى الله عن ذلك علوا عظيما؛ فالله يبين لهؤلاء الخراصين المفترين أنه لو أراد أن يتخذ شيئا مما يزعمه هؤلاء لاتخذه ممن عنده من الولدان أو الحور - لكن الله نزّه نفسه عن الشركاء وعن نقائص البشر كاتخاذ الأولاد والصاحبة.