فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 2536

القول الثالث: وهو مروي عن ابن عباس أيضا وابن مسعود وآخرين من علماء السلف، وهو أن هذه الآية ليست منسوخة ولكنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة الذين لا يستطيعان الصوم فيطعمان بدلا عن كل يوم يفطران فيه مسكينا - فقد ذكر عن أنس- رضي الله عنه- أنه بعدما كبر أطعم عاما أو عامين عن كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر - وذكر عنه أيضا لما ضعف عن الصوم صنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم - وفي قول آخر وهو أن ثمة"لا نافية"مقدرة - وتقدير الكلام هكذا"وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين"وهذا القول وإن كان يعنيه القول الثالث، إلا أنه قول بغير دليل.

ويمكن أن يلحق بالشيوخ والعجزة كل من المرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما من جراء الصيام، فلهما بذلك أن تفطرا وتطعما فدية بقدر ما أفطرتا - كذلك الذي يكون في ساحة الجهاد فإن الإفطار في حقه واجب؛ وذلك لئلا يضعف بالصوم عن فريضة الجهاد فيميل العدو على المسلمين ميلة واحدة 207.

أما غير هؤلاء المعذورين من النار فليس لهم إلا أن يصوموا.

وقوله: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) نختار في تسفيرها ما قاله ابن عباس وهو أن الذي يبتغي الإفطار من الشيوخ والعجزة وقدم بدلا من ذلك فدية من طعام لمسكين، فإنه من الخير له أن يقدم فدية أخرى لمسكين آخر - وقيل: المراد، من تطوع خيرا فصام مع الفدية - وقيل: من تطوع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه 208.

وقوله: (وأن تصوموا كخير لكم إن كنتم تعلمون) هؤلاء الذين يتجشمون الصيام وهم يقدرون عليه والذين أبيح لهم أني فطروا ويقدموا عن كل يوم فدية- إن هؤلاء خير لهم أن يصوموا بدلا من الإفطار والإطعام - كان ذلك قبل ورود النسخ بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) والمراد على الجملة التحضيض على الصوم، فإنه خير من الإفطار مع الفدية - والمصدر من جملة أن تصوموا في محل رفع مبتدأ - (خير) خبر مرفوع.

185 - (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم لعلكم تشكرون} - الشهر من الإشهار وهو الإعلان والإظهار، وفعله أشهر يشهر، نقول شهر السيف أي سله، وشهر فلانا أو أشهره أي أبرزه وجعله ظاهرا، وشهر الحديث بين الناس أي أفشاه فاشتهر 209.

ورمضان من الفعل رمض رمضا أي اشتد حره - وفي الحديث الشريف:"شكونا إلى رسول الله (ص) الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا"ورمض الصائم يرمض إذا احترقت جوفه من شدة العطش - والرمضاء هي الحجارة شديدة الحر، ومنها اشتق اسم رمضان، وقد سمي بذلك لما وافقت تسميته الزمن الذي سمي فيه إذ كان شديد الحر كالرمضاء، ويجمع رمضان على رمضانات وأرمضة وأرمضاء، وقيل أيضا رماضين 210.

وثمة قول وجيه في تعليل هذه التسمية وهو أنه سمي بذلك؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة - وذلك من الإرماض ومعناه الإحراق 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت