فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 2536

وقوله: {الذي أنزل فيه القرآن} أي أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، وكان ذلك في شهر رمضان وفي ليلة القدر بالذات - وفي ذلك يقول سبحانه {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وبعد إنزال القرآن إلى السماء الدنيا في تلك الليلة الكريمة المباركة تقرر تنزيله منجما على النبي (ص) تبعا للأحوال والظروف ومقتضيات الحياة.

وقوله: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} هذه حقيقة كاملة يقف عليها العارفون بهذا الدين، العاملون بالكتاب الحكيم وما ينطوي عليه من روائع الإعجاز في مختلف المناحي والضروب، سواء في ذلك روعة البيان والأسلوب أو روعة التشريع في كماله وشموله واتساعه بما يغطي واقع الحياة كلها، أو روعة التربية وتهذيب النفس بما يصنع الأعاظم من الرجال والعظيمات من النساء على نحو فذ عجيب وكيفية غريبة لا نظير لها في تاريخ الأفراد والأناسي.

وذلك الذي يدفعنا للقول مبادرين بأن القرآن جاء للناس هدى، فهو فيه هدايتهم وما يأخذ بأيديهم ونفوسهم وطبائعهم وأذهانهم وكل أسباب الحياة والمعايش إلى الخير والسعادة وإلى الأمن والرشاد، وما يقتضيه ذلك من معاني العدل والفضل والاستقامة والتعاون والتواد.

وكذلك فإن القرآن {بينات من الهدى والفرقان} أي أنه يحمل للبشرية دلائل وبراهين فيها الهداية والتفريق الجلي الواضح بين الحق والباطل.

وقد قدمنا في مطلع تفسير الآية أن هذا الشهر عظيم الفائدة والقدر - وهو ليس كغيره من الشهور، بل إنه خيرها وسيدها، وإن فيه كبير الأجر للعاملين المخلصين، وكبير الوزر على الخاطئين العصاة أو الساهين الناكبين عن شريعة الله وعن قسطاسه العدل.

وفي عظمة الشهر وجليل قدره أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".

وروى النسائي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :"أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم".

وروى النسائي عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله (ص) "إن الله تعالى فرض رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".

قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} من اسم شرط - (شهد) فعل ماض والجملة الفعلية في محل جزم للشرط - (الشهر) ظرف زمان منصوب وليس مفعولا به - والفاء مقترنة بجواب الشرط - واللام للأمر يصمه مجزوم بلام الأمر وأصلها يصومه - والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به - ومعنى الآية أن من حضر شهر رمضان وكان غير معذور إلا هادم لركن عظيم من أركان هذا الدين، ومقارف لمعصية فظيعة هي إحدى الكبائر من الذنوب 212.

وفي هذا الصدد من الحديث عن الصيام وفرضيته على كل مسلم عاقل بالغ مقيم صحيح البدن، نعرض لجملة مسائل لنناقشها مناقشة فقهية.

المسألة الأولى: فهم بعض أهل العلم أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر أثناءه فإنه لا يجوز له أن يفطر بحجة السفر، بل إنه يباح الإفطار للمسافر الذي أقبل عليه الشهر وهو في حال السفر - وقد استندوا في هذا الرأي إلى ظاهر قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فالذي حضر الشهر أثناء السفر له أن يفطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت