فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 2536

ولا نظن هذا القول إلا مرجوحا ضعيفا، وبذلك فهو قول لا يعول عليه، والرد عليه من السنة واضح، فقد ثبا عن النبي (ص) أنه خرج من شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر.

المسألة الثانية: في الإفطار في السفر، هل هو واجب أم مباح؟ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه مباح وليس واجبا، وأن صورة الأمر الواردة في الآية لا تفيد الوجوب، بل تفيد التخيير، فالمسافر مخير بين الصيام والإفطار.

وذهب آخرون من العلماء إلى وجوب الإفطار في السفر استنادا إلى ظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) وفي تصورنا أن هذا الرأي (الثاني) مرجوح لا يعول عليه فهو بذلك غير معتمد - وقول الجمهور هو الصحيح - ويعزز ذلك ما روي أن الصحابة كانت تخرج مع النبي (ص) وفيهم الصائم والمفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم - وبذلك فإنه لو كان الإفطار واجبا لأمرهم النبي (ص) به ولأنكر عليهم الصيام.

المسألة الثالثة: أيهما أفضل في السفر الصيام أم الإفطار؟ فقد قال الشافعي: إن الصيام أفضل؛ وذلك لما ثبت عن النبي (ص) أنه كان يصوم في السفر.

وقال آخرون: إن الإفطار للمسافر أفضل؛ وذلك نظرا للرخصة بالإفطار حال السفر - وكذلك لما سئل النبي (ص) عن الصوم في السفر قال:"من أفطر فحسن، ومن صام فلا جُناح عليه"وفي حديث آخر"عليكم برخصة الله التي رخص لكم".

وذهب آخرون إلى أن الصيام والإفطار في السفر سواء؛ وذلك لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله! إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:"إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".

ولعل الصواب في هذه المسألة أن من شق عليه الصوم في السفر حتى بلغ منه حرجا، فإن الإفطار في حقه أفضل - ودليل ذلك حديث جابر أن النبي (ص) رأى رجلا قد ظلل عليه، فقال:"ما هذا؟"قالوا: صائم - فقال:"ليس من البر الصيام في السفر"أما إن كان الصوم لا يشق عليه في السفر، ولا يبلغ به الحرج والجهد، فإن الراجح لدينا إذ ذاك أن الصوم أفضل والله تعالى أعلم 213.

المسألة الرابعة: هل يجب القضاء متتابعا أو يجوز فيه التفريق؟

ثمة قولان في الإجابة عن ذلك - وأحد هذين القولين أنه يجب التتابع في قضاء الصوم بحيث تصام الأيام متتابعة يتلو أحدها الآخر دون تفريق بينها بإفطار يوم أو أيام، وليس من دليل على ذلك إلا الاحتجاج بأن القضاء يشبه الأداء ويقوم مقامه - والأداء لا يكون إلا متتابعا فكذلك القضاء.

وثان هذين القولين وهو الصحيح - وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف إذ ذهبوا جميعا إلى أن التتابع في صوم القضاء غير واجب، فالصائم قضاء إن شاء تابع وإن شاء فرق تفريقا - وتوجيه هذا القول أن التتابع إنما وجب في الشهر؛ لضرورة أدائه في نفس الشهر - وأما بعد انقضاء الشهر (رمضان) فلا يبقى بعد ذلك إلا المقصود وهو صيام عدة أيام - وذلك بعدد الأيام التي أفطرها المعذور في رمضان؛ ومن أجل ذلك قال سبحانه: (فعدة من أيام أخر) وذلك بإطلاق ليس فيه تحديد بالتتابع، بل إن الآية تنطوي على المقصود الأساسي وهو وجوب صيام عدة أيام على سبيل القضاء من غير اشتراط بتتابع 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت