وثمة مسألة هامة أخرى جديرة بالاعتبار والنظر، وهي ما لو رؤي الهلال في بلد، فهل يلزم الصيام كل البلدان الأخرى؟ وفي ذلك تفصيل نبينه في الآتي: إذا رؤي هلال رمضان في بلد فقد لزم الصيام كل البلدان الأخرى القريبة من بلد الرؤية، كما لو رؤي في بغداد مثلا وجب على أهل المدن الأخرى غير النائية كالبصرة والكوفة أن يصوموا - وكذا لو رؤي في دمشق لزم أهل حمص وحماة وحلب أن يصوموا، أي أن البلدان القريبة تلتزم بحكم الرؤية، سواء كان ذلك في هلال رمضان الموجب للصيام، أو في هلال شوال الموجب للإفطار حيث العيد - وإذا لم يره القريبون من بلد الرؤية فليس ذلك إلا لتقصيرهم في الملاحظة والتأمل لرؤية الهلال، أو لعارض طرأ فحجب عنهم الرؤية - وذلك ما ليس فيه خلاف.
لكن الخلاف في اختلاف رؤية الهلال عند تباعد البلدان، وذلك كما بيم المشرق والمغرب - وهو أن يُرى الهلال في العراق ولم يُر في المغرب - أو رؤي في دمشق ولم يُر في اليمن أو الحجاز - وذلك للبعد بين بلد الرؤية والبلدان الأخرى.
على أن السبب في عدم الرؤية عند تباعد البلدان هو اختلاف مطالع القمر تبعا لكروية الأرض، وصغر حجم القمر إذا ما قورن بالأرض، فإذا رؤي الهلال في أقصى المشرق ربما لم يره أهل المغرب في نفس الليلة - وكذا ما بين شمال الأرض وجنوبها، فإن كان كذلك، كان في المسألة من حيث حكم الصيام ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم جميع المسلمين أن يصوموا؛ وذلك لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ولقوله عليه الصلاة والسلام:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين) 215."
وهذا يقتضي وجوب الصيام في حق الجميع لمجرد الرؤية في بلد - وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية وأكثر المالكية 216.
القول الثاني: وهو أنه إذا كانت البلدان بعيدة بعدا عظيما عن بلد الرؤية فلا تلتزم بالصيام، وإنما يلزم الصيام بلد الرؤية دون غيره؛ وذلك نظرا لاختلاف مطالع القمر مما يقتضي رؤية الهلال في بلد دون غيره من البلدان النائية - وهو قول الحنفية وأكثر الشافعية وبعض المالكية 217 وقد احتجوا بحديث كريب، وهو ما يعول عليه كثيرا في هذه المسألة.
فقد روى الجماعة عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة - فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم - ورآه الناس وصاموا وصام معاوية - فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه - فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله (ص) .