وثمة مسألة - وهي إذا مات الرجل قبل أن يفرض لزوجته صداقا أو يدخل بها - فهي بذلك متوفى عنها زوجها دون مسيس أو مهر مسمّى - فقد ذهب العلماء من أصحاب الرسول (ص) إلى أن هذه المرأة لها مهر المثل وعليها العدة ولها الميراث - وهو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والثوري - والدليل على ذلك عندهم ما ذكره الترمذي عن ابن مسعود: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات - فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله (ص) في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود.
وذهب آخرون من أصحاب رسول الله (ص) منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر إلى أنه إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات، فإن لها الميراث وعليها العدّة ولا صداق لها - وهو ما ذهب إليه الشافعي أيضا، على أن مدار الاستدلال في هذه المسألة ينبغي أن يكون موقوفا على صحة خبر بروع وعلى تثبيته، فهو إن صح فلا مساغ عندئذ إلا الأخذ بالقياس كالذي ذهب إليه الآخرون.
237 - (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
وقوله: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) إذا وقع الطلاق على المرأة قبل المسيس وقد فرض لها الصداق من قبل، فإن لها نصفه - وذلك هو الحكم المأخوذ من هذه الآية وهو ما أجمع عليه العلماء - فالطلاق من قبل المسيس وبعد فرض الصداق يوجب لها النصف، خلافا لما يكون عليه الحكم بعد المسيس والفريضة؛ فإنها لها الصداق كله.
ويتبين من هذه الآية كذلك أن المطلقة المفروض لها الصداق لا يثبت لها شيء من متعة مادامت غير ممسوسة - وليس لها في هذه الحال غير النصف من الصداق المسمى؛ لأن المتعة إنما يختص بها من النساء المطلّقات من قبل المسيس ولم يفرض لهن فريضة كما بينّا في الآية السابقة.
ولكن فريقا آخر من العلماء قالوا: إن المتعة تجب لكل مطلّقة عموما استنادا لما سبق من آيات واردة في الأمر بالإمتاع على سبيل الوجوب.
وقوله: (إلا أن يعفون) وذلك استثناء منقطع؛ لأنه لا علاقة للعفو من الصداق بأخذه وليس أحدهما من جنس الآخر - و (يعفون) على وزن يَفْعُلْن أي يتركن والنون نون النسوة - والمعنى للآية أن المطلقة قبل المسيس والتي فرض لها الصداق تستحق من هذا الصداق نصفه على سبيل الوجوب لها إلا أن تعفو عن هذا الحق (النصف) أي تتركه للزوج تسامحا وكرما وعن طيب نفس.