يبين الله نعمته على عباده ليتذكروا ويعتبروا ويبادروا بعبادته وشكره، فهو سبحانه قد ذلل لعباده البحر بما ذرأه في الماء من مزية خاصة يحمل بمقتضاها الأجسام الثقال على ظهره - ذلكم هو البحر تسير على متنه السفائن المحملة بالبضائع والحاجات والراكبين من الناس والدواب فتمخر بهم في البحر بأمر الله وتقديره من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم بغية اكتساب المعايش والأرزاق وغير ذلك من حاجات السفر {ولعلكم تشكرون} أي لكي تشكروا الله على تذليل البحر لكم فتسير على ظهره السفن الجواري فتبادروا بالطاعة والعبادة لله وحده دون غيره من الأنداد.
قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} يمن الله على عباده بما ذلّله لهم من السماوات من مخلوقات كالشمس والقمر والنجوم والأمطار والرياح - وكذلك سخر لكم ما في الأرض من البحار والأنهار والهواء والفضاء والزروع والثمرات، وما حوته في باطنها من معادن ومذخورات {جميعا منه} واقعة في موقع الحال - والمعنى: أن الله سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة بفعله وحكمته فهو مكونها وموجدها بقدرته ثم مسخرها لخلقه - وقيل: {جميعا منه} في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هي جميعا منه - وقيل: تأكيد لما في السماوات وما في الأرض.
قوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} يعني فيما سخره الله لكم مما بيّنه في هاتين الآيتين من مختلف الخلائق والأشياء والأجرام، لهي دلالات وعلامات تكشف عن عظيم قدرة الله وأنه هو الخالق الصانع الحكيم دون غيره من الأرباب والأنداد.
قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} {يغفروا} مجزوم، لأنه جواب أمر محذوف وتقديره: قل لهم اغفروا يغفروا.
وفي هذه الآية يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين الذين صدقوه واتبعوا ما أنزل إليه من ربه، ليغفروا للذين لا يؤمنون بالآخرة ولا يخشون بأس ربهم وانتقامه إذا هم نالوهم بالأذى والمكروه، أي ليصفحوا عنهم ويحتملوا منهم الأذى ويصبروا على إساءاتهم - وكان هذا في ابتداء الإسلام إذ كان المسلمون مأمورين بالصبر على الشدائد والمكاره من المشركين وأهل الكتاب حتى أذن الله لهم بالجهاد فجاهدوا، وبذلك فإن حكم هذه الآية منسوخ بآيات القتال.
قوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} الجملة لتعليل الأمر بالمغفرة - والمراد بالقوم، المؤمنون، فقد أمرهم الله أن يغفروا للمشركين فيصفحوا عن إساءاتهم لهم ليجزيهم الله بما كسبوا في الدنيا من صالح الأعمال، وذلك كصبرهم على أذى الكافرين واحتمال إساءاتهم، وشرورهم.
قوله: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} أي ما من عمل يعمله ابن آدم إلا هو ملاقيه فمجازى به من خير أو شر - وذلك ترغيب من الله في فعل الصالحات، وتخويف من فعل المعاصي والسيئات - قوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} إنكم جميعا صائرون بعد الفناء إلى الله لتلاقوا الحساب والجزاء 3.