فهرس الكتاب
قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} {فصلت} بمعنى خرجت - فصل من البلد فصولا؛ إذا انفصل منه وجاوز حيطانه - والمعنى: أنه لما خرجت قافلة بني يعقوب من عند يوسف ميممة شطر ديار الشام حيث يقيم يعقوب؛ فغنه في هذا الأوان من فصول العير وخروجها من مصر قال يعقوب وهو ينظر بنور الله، أو أنه جيء إليه الإخبار من السماء {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} يعني أشم ريحه - قال ابن عباس في تأويل ذلك: هاجت ريح فجاءت بريح قميص يوسف إلى أبيه يعقوب فقال: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} من الفند، بفتحتين، وهو الكذب - وهو أيضا ضعيف الرأي من الهرم - والفعل أفند - والتفنيد معناه اللوم، وتضعيف الرأي 105 قال ابن عباس في قوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} لولا تسفهون، والفند هو السفه - وقيل: لولا تكذبون، والفند الكذب - وقد أفند إفنادا أي كذب - وقيل: التنفيد نسبة إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم.
فقال له أسباطه.: {تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} أي إنك لفي ذهابك القديم عن الصواب في
إفراط محبتك ليوسف أو
في خطئك القديم من حب يوسف
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ 96 قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ 97 قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {أَن} ، زائدة - والبشير هو يهوذا بن يعقوب الأكبر - فقد قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته فكان هو البشير ف {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} أي ألقى قميص على عيني أبيه يعقوب فرجع وعاد مبصرا بعينيه بعد ما أصابه العمى - ويستفاد من الآية: جواز بذل الهبات أو العطايا عند البشائر السارة المبهجة - ويجوز بذلك إظهار الفرج عقب زوال الترح والاغتمام.
قوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال يعقوب لمن كان بحضرته من بنيه: ألم أخبركم عن عملي بأن الله سيرد علي يوسف تأويلا لرؤياه الصادقة، وأنني موقن بقضاء الله وكنا من قضائه أن نخر جميعا له ساجدين - وكنتم أنتم لا تعلمون ما أعلمه.
قوله: {قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} قال ولد يعقوب الذين فعلوا فعلتهم الأليمة بإلقاء يوسف في الجب: يا أبانا سل الله لنا المغفرة ليعفو عنا ويستر علينا ما قارفناه من ذنب وتفريط في حقك وحق ابنك يوسف كيلا يؤاخذنا الله بها يوم القيامة {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} أي آثمين مذنبين - فأجابهم يعقوب لما سألوه ووعدهم أن يستغفر لهم الله - وقيل: أخر يعقوب الدعاء لهم إلى وقت السحر؛ فإن الدعاء فيه مستجاب - وذلك قوله سبحانه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 107