فهرس الكتاب

الصفحة 1236 من 2536

17 - (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)

قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} .

يضرب الله في هذه الآية مثلا للحق والباطل؛ فالحق: هو الإيمان والتزام شرع الله - والباطل: هو الكفر والتكذيب والاستكبار عن منهج الله - أما الكفر: فهو طائش مستخف، ما لبث أن ينقشع ويتبدد؛ لأنه غير راسخ ولا مكين ولا مركوز في عميق النفس بل إنه طارئ وعارض ومصطنع، فما تلبث الفطرة الإنسانية السليمة أن تنفر منه نفورا شديدا لتستقبحه أيما استقباح - فشبهه الله في هذه الآية بالزبد المنتفش الذي يطيش على سطح الماء ثم يضمحل ويزول سريعا؛ فهو لا مكث له ولا دوام - لكن الإيمان لهو المعتبر والموزون والثابت.

وهو شبيه هنا بالماء الصافي الذي يرتوي منه العطاش، وتنتفع به الأرض فيثير فيها النماء والخصيب والبركة.

قوله: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} هذا مثل يضربه الله للحق والباطل أو الإيمان والكفر، وهو ما بينا جملته في الفقرات السابقة؛ فقد أنزل الله المطر من السماء إلى الأرض فاحتملته الأدوية {بقدرها} أي بملئها - يعني كل واحد من الأدوية أخذ من الماء بحسبه من الكبر والصغر، فهذا كبير اتسع لكثير من الماء، وهذا صغير اتسع لم هو أقل من الماء بما يساوي حجمه من السعة {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} هذا السيل المكون من ماء المطر النازل من السماء احتمل فوق سطحه {زبدا} وهو الرغوة 32 الطائشة فوق سطح الماء - فهذا المثل الأول الذي ضربه الله للحق والباطل - وبيانه: أن الحق هو الماء الثقيل الراسخ النافع الذي يبقى في الأرض ليثير فيها الخصب والخير والبركة.

أما الباطل، فهو الزبد الذي يطيش على وجه الماء، وهو بطشه وخفته غير نافع ولا باق.

وأما المثل الثاني: فهو قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ} {في النار} ، جار ومجرور، في محل نصب على الحال - وتقديره: ومما يرقدون عليه كائنا أو مستقرا في النار - {ابتغاء الحلية} ، منصوب على المصدر في موضع الحال 33؛ هذا مثل آخر للحق والباطل، وهو ما يوقد الناس عليه في النار من الجوهر كالذهب والفضة لكي يذوب فتزايله الأوشاب والتراب طلبا للحلية التي يتزين بها الناس، أو للمتاع وهو ما يتمتع به الناس من الأواني والآلات المصنوعة من الحديد والنحاس والرصاص.

قوله: {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} {زبد} مرفوع على الابتداء - {مثله} ، صفة له وخبره {ومما يوقدون} 34 والضمير في {مثله} ، يعود على الزبد - والمراد بالزبد: الخبث الذي يعلو وجه المذاب من تلك المعادن مثلما يعلو الزيد على سطح الماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت