فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 2536

حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص، أو الذين كذبوه أو أشركوا به - وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا - وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم - فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين - ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه - وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال.

وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه - نسأل الله الغفران والرحمة.

وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح، وصدقوه تمام التصديق، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون.

ذلك كله مقتضى قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين) .

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 55]

قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) المراد بالوفاة هنا النوم - وذلك كقوله تعالى: (هو الذي يتوفاكم بالليل) وقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) فهي في منامها متوفاة لكنها لم تمت - وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عقيب قيامه من النوم:"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا".

وعلى هذا فالمراد من قوله: (متوفيك) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت - وبعبارة أخرى: قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفيت مالي من فلان أي قبضته - ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود:"إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة"105.

والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، وذلك من شأن الله ومن تقديره، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد.

قوله: (ومطهرك من الذين كفروا) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت