وعلى هذا فالمراد من قوله: (متوفيك) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت - وبعبارة أخرى: قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفيت مالي من فلان أي قبضته - ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود:"إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة"103.
والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، وذلك من شأن الله ومن تقديره، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد.
قوله: (ومطهرك من الذين كفروا) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم.
أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا (الحواريون) من عين في البيت ثم قال لها: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال الشاب: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال: أنا - فقال عيسى: نعم أنت ذاك - فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام - ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء - ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فتفرقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء - وهؤلاء اليعقوبية - وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء النسطورية - وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه - وهؤلاء المسلمون - فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا 104.
قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) .
المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم، سواء كانوا في زمن المسيح - وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم - إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة، عقائد الشرك والضلال والانحراف.
على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين: أحدهما: الفوقية المادية: وهي فوقية العزة والسلطان، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض.
ثانيهما: الفوقية الاعتبارية: وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين - والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم.