وكذلك المسكين - وقد تقدم الكلام في معناه سابقا - وجملة ذلك: أن المسكين من لا شيء له يكفي عياله - وقيل: الفقير القاعد في بيته لا يسأل الناس، والمسكين الذي يسأل - وقيل: الفقير الذي له بعض ما يقيمه، والمسكين أسوأ حالا من الفقير - وهو قول الجمهور من العلماء 38؛ فإنه يدفع إليه ما يفي بقوته وقوت عياله.
وكذلك ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به 39، وهذا يستوجب أن يعطى من المال ما يعنته على سفره حتى يبلغ مقصده.
قوله: (ولا تبذر تبذيرا) التبذير معناه الإنفاق في غير الحق وهو الإسراف - وقيل: النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد - أما من أنفق في الشهوات، هل هو مبذر؟ فيجاب عن ذلك بأن من أنفق ماله في الشهوات زائدا على الحاجات وعرّضه بذلك للنفاذ فهو مبذر - وإذا لم يعرضه للنفاد فليس بمبذر - ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر يحجر عليه، ولا يحجر عليه ببذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد.
قوله: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) المراد بهم الذين ينفقون أموالهم في معصية الله أو في غير حق؛ فهؤلاء هم (إخوان الشياطين) أي في حكمهم؛ فهم موافقون للشياطين في الصفة والفعل؛ إذ المبذر ينفق ماله في الفساد والحرام.
قوله: (وكان الشيطان لربه كفروا) الشيطان خبيث وعات ومتمرد وهو شديد الجحود لربه فاحذروا التشبه به في الفساد وفعل الحرام.
قوله: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} إما، اسم مركب من، إن الشرطية وما الإبهامية (ابتغاء) ، منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال - وتقديره: وإما تعرضنّ عنهم مبتغيا رحمة من ربك ترجوها - وترجوها، جملة فعلية في موضع نصب الحال 40 - والمعنى: إن أعرضت عن ذي القربى والمساكين وابن السبيل حياءً من ردهم وأنت ترجو من الله الرزق والخير فتعطيهم منه (فقل لهم قولا ميسورا) أي سهلا لينا - وذلك أن تدعو الله لهم بالخير والتيسير وسعة الرزق - وذلك في رفق وسهولة ورحمة - وقد كان النبي (ص) إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال:"يرزقنا الله وإياكم من فضله".
قال الرازي في ذلك: والمعنى: أن عند حصول الفقر و القلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن؛ بل تعهدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال - أو تقول لهم: اله يسهل.