فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 2536

وثالثها: الإضلال - الحكم بضلاله وتسميته ضالا.

ورابعها: الاختبار - يعني من يرد الله اختباره بما يبتليه به من القيام بالتكاليف ثم يتركها ولا يؤديها فلن تستطيع أن تدفع عنه هذه الفتنة، ولن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا - ويندرج في عموم هذه المعاني المذكورون وهو المنافقون واليهود.

قوله: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} أي لم يرد الله أن يطهرها من رجس الكفر وخبيث الضلالة - والآية تبين أن إرادة الله لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لهذه الفتنة - فليست هذه الفتنة واقعة من الله ابتداء ولكنها متعلقة باختيار القوم السيء.

قوله: {لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} الضمير في قوله: {لهم} يعود على المنافقين واليهود - أما المنافقون فخزيهم يعني افتضاحهم وهتك سترهم بانكشاف سرهم وما تخفيه صدورهم من مكر وخبث وكيد للإسلام وأما اليهود فخزيهم بقهرهم وإذلالهم وظهور كذبهم في كتمان التوراة وازدياد غمهن من سرعة انتشار الإسلام وكثرة الإقبال عليه من الناس.

أما عذاب الآخرة فهو أشد وأنكى، لأنه الخلود الدائم في النار حيث الهوان والتنكيل والغضب الشديد من العزيز الجبار 103.

قوله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} .

كرر قوله: {سماعون للكذب} على سبيل التأكيد والتفخيم - والمراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة وما كان يفتريه الأحبار من أكاذيب وتحريف للتوراة - أما السحت فالأصل فيه أنه الهلاك والاستئصال - أسحت أي استأصل - والمراد هنا بالسحت المال الحرام أو ما خبث من المكاسب فيلزم عنه العار - وقد سمي سحتا، لأنه يسحت الطاعات ويسحت البركة أي يذهبها ويستأصلها 104 وقيل: سمي الحرام سحتا، لأنه يسحت مروءة الإنسان - فإنه بذهاب الدين تذهب المروءة، ولا مروءة لمن ليس له دين - وقيل: المراد به هنا الرشوة في الحكم - وفي الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل لحم نبث من سحت فالنار أولى به"قيل: يا رسول الله - وما السحت؟ قال:"الرشوة في الحكم"- وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هدايا الأمراء سحت"وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا - ولكن كفر - إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية.

وذكر الرازي في قوله: {سماعون للكذب أكالون للسحت} ثلاثة وجوه:

الأول: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه - فكان يسمع الكذب ويأكل السحت - وهو قول الحسن.

الثاني: قال بعضهم: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم.

الثالث: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت