قوله: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجر كبيرا) يحمل القرآن البشرى للمؤمنين الموقنين بعقيدة الإسلام والذين يأتمرون بأوامر الله، وينتهون عن نواهيه وزواجره ويلتزمون شرعه وأحكامه أن لهم من الله الجنة - وهي خير ما تدركه الأبصار أو تتصوره الأذهان من جزاء - وذلك لما فيه من بالغ النعيم والهناءة والسعادة والسكينة والراحة.
قوله: {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما} وفي قبالة البشرى للمؤمنين، يبشر الله الظالمين الذين يكذبون بيوم الدين وهو المعاد إلى اللهب ما أعد لهم من العذاب الأليم وهي جهنم - وقد ذكر الآخرة بالذات تنبيها على أهمية هذا الركن في عقيدة الإسلام - وهو الركن الذي طالما تعثرت عنده مدارك الكثير من البشر - وطالما ارتاب فيه المخالفون والمكابرون والمستكبرون؛ إذ عتوا في وجوه النبيين والمرسلين عتوًّا وصمهم بالتمرد والجحود.
لا جرم أن الإيمان باليوم الآخر يتفق والفطرة البشرية أكمل اتفاق وينسجم مع قواعد الفكر السليم أوثق انسجام.
قوله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا} القياس إثبات الواو في قوله: (ويدع) إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة؛ لأنه لا يظهر في اللفظ - والتقدير: ويدعو الإنسان بالشر دعاءً مثل دعائه بالخير 12 وذلك إخبار من الله عن الإنسان في حقيقة طبعه المتعجل والذي لا يصطبر على اللأواء ولا يحتمل الشدائد والملمات إلا قليلا - ذلكم هو الإنسان في ضيق صدره وهوان عزمه الذي يتضاءل في وجه الصعاب والبلايا إلا أن يثبته الله فيمده بالهمة والعزيمة والاقتدار - وهذه الحقيقة يكشف عنها مبادرة الإنسان للدعاء على نفسه وماله وولده بالشر؛ أي بالموت أو الهلاك أو اللعن أو نحو ذلك من وجوه الدعاء الظالم كلما ألمت به مصيبة أو اجتاحه همّ - لكن الله بواسع رحمته وعظيم منه وفضله لا يستجيب لمثل هذا الدعاء؛ إذ لو استجاب له لأهلكه بدعائه - وذلك هو قوله سبحانه: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) أي يدعو الإنسان عند غضبه وضجره: اللهم أهلكه، اللهم ألعنه - وهو يريد الدعاء بذلك على نفسه - وهو كدعائه (بالخير) أي كما لو دعا ربه أن يهبه الرزق والسلامة والعافيه في نفسه وماله وولده - فلو استجيب له في دعائه بالشر كما يستجاب لهم في الخير لهلك - قال ابن عباس في تأويل الآية: يعني قول الإنسان: اللهم العنه واغضب عليه - فلو يعجّل له ذلك كما يعجل له الخير لهلك - على أن الدعاء على النفس بالشر حرام - والمسلم مدعو في كل الأحوال من المساءات والمسرات أن يسأل الله لنفسه وأهله وماله والمسلمين الخير والرحمة والعافية والستر والمغفرة.
وفي الحديث:"لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها"13.