فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 2536

وفي حقيقة هذا الاسم (نوح) قيل: إنه سمي بذلك لكثرة ما ناح على نفسه - واختلفوا في سبب نياحه على نفسه فقيل: سببه دعونه على قومه بالهلاك - وقيل: مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان - وقيل: إصرار قومه على الكفر - فكان كلما دعاهم وأعرضوا عنه بكي وناح عليهم - وقيل غير ذلك من الأخبار الظنية غير المستندة إلى أدلة معتبرة ومقبولة إلا الإغراق في الظن البعيد الذي لا يغني من الحق شيئا - والظاهر أن هذا الاسم قد وضع له عليه الصلاة والسلام لدى ولادته؛ فهو غير مشتق من النياحة أو النياح أو المناحة أو النوح - بل هو اسم أعجمي منصرف لخفته 102.

قوله: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} غيره، مرفوع صفة لإله، أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء - وقيل: مجرور على أنه صفة لإله باعتبار لفظه 103.

وفي الآية هذه ينادي نوح قومه الضالين المشركين نداء الرفيق الشفيق أن اعبدوا الله وحده وأطيعوه وأذعنوا له بالانقياد وذروا هذه الأنداد المصطنعة المفتراة؛ فإنها جميعا لا تضر ولا تنفع؛ فهي صم بلهاء لا تعي ولا تسمع ولا تملك لكم شيئا؛ فإنه ليس لكم في الحقيقة من إله خالق قادر رازق سوى الله.

قوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} وهذا تنذير من نوح لقومه يخوفهم به تخويفا، فإذا لم يفيئوا إلى الله بعبادته وحده ونرك الأصنام كليا والانخلاع من هذه الربقة المهلكة - ربقة الشرك والضلال والتعس، والتشبث بالأصنام المفتراة -لئن لم يفيقوا من هذا العمه الطاغي يستنقذوا أنفسهم من كابوس الوثنية الضالة العمياء؛ فلسوف يحيق بهم العذاب من الله - وهو عذاب أليم شديد قي يوم مذهل رعيب يشتد فيه الهول ويتعاظم فيه البلاء - ونوح عليه السلام حريص على قومه كل الحرص لتنجيتهم من العذاب - بل إنه يخاف عليهم أن يحل عليهم العذاب يوم القيامة، وحينئذ لا يحول دونه حائل، ولا تجدي معه شفاعة الشافعين.

قوله: {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} الملأ يعني الجماعة وهم أشراف القوم وسراتهم وجمعه أملاء 104 - لما دعا نوح قومه إلى دين الله، دين التوحيد والاستقامة أجابه أشراف القوم وهم رؤوس الكفر والضلال وقادة الفساد والشرك الذين مردوا على الوثنية والباطل، والذين أشربت نفوسهم حب الأصنام وكراهية الحق -أجابه هؤلاء المسرفون في الضلالة والعدوان: {إنا لنراك في ضلال مبين} وأصل الضلال، الضياع والغياب والهلاك 105، والمراد به العدوان عن سبيل الله وهو منهجه الحكيم، أو دينه المعتدل القديم - لكن المقصود بالضلال في تصور هؤلاء الظالمين من قوم نوح هو العدول عن ملتهم السخيفة وعبادتهم الفاسدة المفتراة، وعن أصنامهم المختلفة الجوامد - هكذا يفتري الضالون المشركون على نبيهم الكريم العظيم بالكذب والباطل - وذلك هو ديدن الكبراء والساسة والأشراف من قادة الضلال والإجرام في كل زمان؛ إذ يفترون على الداعين إلى الله وتطبيق شريعته ومنهجه فيتهمونهم بمختلف الأكاذيب والترهات.

قوله: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} بمثل هذا النداء الشفيق المخلص الحاني ينادي نوح قومه {يا قوم} نافيا ما زعموه في حقه من الضلالة وهي العدول عن الحق قائلا لهم: إنه ليس بي ما تظنون من الضلال ولكني أرسلت من رب العالمين؛ لأبلغكم رسالته فأدعوكم إلى توحيده وعبادته والإقلاع عن هذه الآلهة المفتراة المصطنعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت