قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين 43 لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الأخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين 44 إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} هذا عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من اجل إذنه لمن أذن لهم في التخلف عنه في تبوك لقتال الروم - والتقدير: عفا الله عنك يا محمد ما كان منك من الإذن لهؤلاء المنافقين الكاذبين الذين استأذنوك في العقود والتخلف عنك، من قبل أن تعلم صدقهم من كذبهم، أو ما كان ينبغي لك أن تأذن لهؤلاء في التخلف عن تبوك حتى تعلم الصادق من المنافق.
وثمة تأويل آخر لقوله: {عفا الله عنك} وهو أن هذا افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمتك - لقد كان كذا وكذا 91.
قوله: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} ذلك إخبار من الله عن سيما المنافقين؛ فغن من سماتهم وعلاماتهم التي تكشف نفاقهم: تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله؛ إذ يستأذنوك الرسول صلى الله عليه وسلم في ترك الخروج بعد أن يتذرعوا بالمعاذير الكاذبة.
أما المؤمنون الصادقون المخلصون: فغنهم لا يستأذنون للقعود ولا للخروج؛ بل إنهم يبتدرون القيام بالواجب والمسارعة في الطاعة دون حاجة إلى استئذان - قوله: {والله عليم بالمتقين} الله أعلم بمن يخافه فيبادر بطاعته واجتنبا عصيانه، ويسارع بغير تردد إلى الجهاد بماله ونفسه في سبيل الله.
قوله: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم} إنما يستأذن في التخلف عن الجهاد، فيقعد مع القاعدين، هم الخوالف المنافقون الذين خوت قلوبهم من الإيمان بالله واليوم الأخر؛ فغن التخلف عن ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المؤمنين، والقعود عن أداء الواجب العظيم بغير عذر ولا سبب مقبول، لا يفعله أولو العقيدة والتقوى، ولا الذين يخشون الله ويلتزمون دينه والعمل شبعه وأحكامه، إنما يفعله الخاوون الخاسرون الذين ضؤل في قلوبهم الإحساس بالإيمان الصحيح، بل تسرب إلى نفوسهم الشك في حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر.
قوله: {فهم في ريبهم يترددون} أي هؤلاء المستأذنون لعدم الخروج مرتابون حائرون؛ فهم سادرون في الحيرة والتردد والاضطراب 92.
قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين 46 لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سامعون لهم والله عليم بالظالمين 47 لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون} أي أن هؤلاء المستأذنين في تلاك الخروج للجهاد لو أرادوا الخروج لهذه الوجيبة العظيمة؛ لأعدوا لذلك العدة، فتأهبوا للسفر استعداد للقيام بالأمر - لكن تركهم الاستعداد لذلك دليل قصدهم التخلف، وأنهم ينتوون القعود دون الخروج.