بيان إجمالي للسورة
هذه السورة بروعة نظمها وعجيب كلماتها المثيرة نمط فريد من أنماط التذكير بيوم القيامة - فهي ما يتلوها متدبّر أو يتملاها بصير مدّكر حتى تروعه غاشية داهمة من الذكرى الغامرة والخيال المتهيج المشبوب.
إن هذه السورة بآياتها الموحية وكلماتها العجاب تثير في نفس القارئ الحريص فيضا من الارتياع والفزع فيظل واجما مذعورا - وذلك بما تحمله للذهن والقلب من أخبار القيامة وشدائدها الجسام - ويتجلى ذلك في برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر - وحينئذ يفزع المرء، ويذهل ويوجل فما يجد لنفسه من مناص ولا مهرب إلا أن يقول في ذهول واجم:"أين المفرّ".
إلى غير ذلك من المعاني المخوفة الجسام التي تفيض بها هذه السورة العظيمة - وفي ذلك من عظيم البرهان على أن هذا الكلام معجز وأنه لا يقدر على مضاهاته بشر.
بسم الله الرحمن الرحيم
{لا أقسم بيوم القيامة 1 ولا أقسم بالنفس اللوّامة 2 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه 3 بلى قادرين على أن نسوي بنانه 4 بل يريد الإنسان ليفجر أمامه 5 يسأل أيّان يوم القيامة 6 فإذا برق البصر 7 وخسف القمر 8 وجمع الشمس والقمر 9 يقول الإنسان يومئذ أين المفر 10 كلا لا وزر 11 إلى ربك يومئذ المستقر 12 ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر 13 بل الإنسان على نفسه بصيرة 14 ولو ألقى معاذيره} .
ذلك قسم من الله مريع ومجلجل بيوم القيامة، هذا الحديث الكوني الرعيب المزلزل، وبالنفس التي تلوم صاحبها عقب كل تفريط، على أن الناس مبعوثون من قبورهم يوم القيامة ليلاقوا الحساب والجزاء - وفي ذلك قال سبحانه: {لا أقسم بيوم القيامة} لا، زائدة، للتأكيد - وقيل: لا، رد لكلام المشركين، إذ أنكروا البعث فرد الله زعمهم بقوله: ليس الأمر كما تزعمون، فيكون المعنى: أقسم بيوم القيامة.
قوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} القول في {ولا} هنا، كالقول في السابقة - يعني وأقسم بالنفس اللوامة - وبذلك أقسم الله جل وعلا بيوم القيامة وبالنفس اللوامة.
واختلفوا في المراد بالنفس اللوامة - وأصوب الأقوال في ذلك أنها نفس المؤمن، إذ لا تراه إلا يلوم نفسه قائلا: ما أردت بكلمتي هذه - ما أردت بأكلتي هذه - ما أردت بحديث نفسي - أما الفاجر فيمضي قدما ما يعاتب نفسه - وهو قول الحسن البصري - وقيل: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لما عملته؟ وعلى الخير لما لم تعمله أو تستكثر منه.
وجواب القسم محذوف وتقديره: لتبعثن - وقد دل عليه.
قوله: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} الاستفهام لفنكار والمراد بالإنسان جنسه
وقيل: الإنسان الكافر
والمعنى: أيحسب الإنسان أنه عزيز علينا إحياؤه وبعثه بعد أن كانت عظامه نخرة رفاتا
فحسبانه باطل وظنه مردود.
قوله: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} بلى إيجاب لما بعد النفي - وقادرين، منصوب على الحال - أي بلى نجمعها قادرين 1 والبنان جمع، ومفرده بنانة، وهي أطراف الأصابع 2 - فالله يبين لعباده أنه جامع الناس ليوم القيامة وباعثهم من قبورهم أحياء بل إنه قادر على إرجاع بنانه - فنبّه بالبنان على بقية الأعضاء - وهو لا يعزّ عليه - وهو الخلاق المقتدر أن يعيد خلق الإنسان من جديد بعد أن كان حطاما مختلطا بالتراب.