أما الذي يشفع في السيئة بأن يسخّر جاهه ومكانته في إلحاق الأذى والظلم بالآخرين فإنه له في ذلك كفل من الوزر أو الإثم - والكفل معناه النصيب ويستوي فيه أن يتضمّن الأجر أو يتضمّن الوزر - وفي هذه الآية تشجيع على فعل الخير وبث أسباب العون والمساعدة لكل محتاج أو ملهوف، وفيها كذلك تنديد بالشفاعة السيئة التي يعتمد بموجبها الآثمون إلى إخفاء الحق لكي يظهر الباطل بما في ذلك من وجوه الإضرار والشرور والموبقات التي تلحق بالناس ظلما وعدوانا - وذلك نتيجة للوساطات الفاسدة التي ينبري من خلالها الشفعاء لإخفاء الحق وإظهار الباطل فيحيق الظلم بالمستحقين ويتطاول المبطلون المعتسفون فيسلبون حقوق الآخرين ظلما وعدوانا.
قوله: (وكان الله على كل شيء مقيتا) المقيت معناه الحفيظ الشهيد وقيل: المقتدر وهو مشتق من القوت؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها.
قوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها - -.) حيّيتم من الفعل حييت ويقصد من ذلك السلام - والتحية معناها الدعاء بالحياة - وقولنا: التحيات لله يعني البركات لله ومن الله - وقيل: معناها السلامة من النقائص والآفات والعيوب - وقد كان من عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا: حياك الله - وهو مشتق من الحياة كأنه يدعو له بالحياة - فلما جاء الإسلام بدل ذلك بالسلام فجعلوا التحية اسما للسلام 122 - وفي الآية إشارة إلى مشروعية التحية بالسلام - وقد أجمع أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنّة مرغوبة وأن ردّها فريضة.
وإذا ابتدأ الواحد بالسلام على الجماعة فهل يجزئ رد أحدهم؟ ثمة قولان في هذه المسألة - أحدهما: أن رد الواحد من الجماعة على المبتدئ بالسلام يجزئ عن الآخرين.
ثانيهما: أن رد السلام من فروض العين بمعنى أن الرد فرض متعين بالنسبة لكل واحد من الجماعة الحاضرة واستدلوا أيضا بما لو رد غير المسلم على من ابتدأ السلام لم يسقط ذلك فريضة الرد - وفي ذلك دلالة على لزوم الرد على كل واحد بعينه.
والراجح أن الابتداء بالسلام من واحد يكفي - وأن الرد من أحد الآخرين مجزئ لما رواه أبو داود في سننه عن عليّ بن أبي طالب أن النبي (ص) قال:"يجزئ من الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم".
قوله: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) رد التحية على البادئ أن يقال: عليكم السلام - أما الأحسن فهو أن يقال: عليكم السلام ورحمة الله - وإذا أضاف البادئ قوله ورحمة الله - كان الرد: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته - وهذا هو النهاية بغير زيادة.
ويسنّ في التحية والردّ عليها الجهر وذلك عن طريق الكلام باللسان، أما الإشارة بالأصبع أو الكف فإن ذلك لا يكفي ولا يقوم مقام الرد للتحية إلا إذا كان الاثنان متباعدين.
وإذا كانت التحية من غير المسلم فحكم الرد أن يقال له: وعليكم، وقيل: رد السلام عليهم واجب، كما ذهب بعض أهل العلم استنادا إلى عموم الآية إذ لم يرد ما يجعلها خاصة بالمسلمين وهو قول ابن عباس والشعبي وقتادة - وقد ذكر عن ابن عباس قوله في هذا الصدد: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا ذلك بأن الله يقول: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) - وقيل غير ذلك، والقول الأول أرجح - ولا يسلّم أيضا على من يقضي حاجته وإن سلّم فلا يرد عليه أثناء قضاء الحاجة - ولا يسلّم كذلك على من يقرأ القرآن وإن سلّم عليه فهو بالخيار إن شاء رد وإن شاء أمسك حتى يفرغ من القراءة ثم يرد.