فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 2536

قوله: (ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا) (يصلاها) : يدخلها - أصلاه النار وصلاه إياها وفيها وعليها؛ أي أدخله إياها وأثواه فيها 23، فبسبب عصيانه وإقباله على الدنيا، مدبرا عن الآخرة؛ فإنه صائر إلى جهنم (يصلاها مذموما) أي يدخلها مخزيا ذليلا - والمذموم، إشارة إلى الإهانة والتحقير (مدحورا) أي مبعدا من رحمة الله وفضله، موغلا في الخسران والهوان.

قوله: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} من قصد الدار الآخرة فكانت هي طلبته ومبتغاه، وقدم لها من الطاعات والصالحات ما هو لها كفاء (وهو مؤمن) أي مصدق بأركان العقيدة، موقن بوحدانية الله - فالإيمان شرط عظيم في كون الأعمال صحيحة ومقبولة، وإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط وهذا قوله: (كان سعيهم مشكورا) أي مقبولا غير مردود؛ فيجزيهم الله بذلك من الحسنات أضعافا كثيرة، وفي هذا الصدد قال بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب 24.

قوله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفصيلا (21) لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما (22) } (كلا) ، منصوب على أنه مفعول (نمد) (هؤلاء) ، بدل من"كل"ومعناه: إنا نرزق المؤمنين والكافرين 25 وبيان ذلك أن الله يمد كلا من الفريقين، وهم الذين اتبعوا الحياة الدنيا، والذين ابتغوا الآخرة (من عطاء ربك) أي من رزق الله، فالله جل وعلا يرزق من فضله المؤمنين والكافرين في هذه الحياة الدنيا حتى إذا صاروا إلى الممات افترقوا بعد ذلك، فكل فريق يفضي إلى ما قدم - فمريدوا العاجلة يساقون إلى جهنم - ومريدوا الآخرة يساقون إلى النجاة والنعيم (وما كان عطاء ربك محظورا) أي ليس رزق الله محبوسا عمن بسطه الله عليه؛ فإنه لا يمنعه أحد ولا يرده راد.

قوله: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) كيف في موضع نصب بالفعل (فضلنا) 26 فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق، وفي غيره من مركبات الحياة الدنيا كالقوة والضعف، والصحة والسقم، وطول العمر وقصره؛ فالناس في ذلك كله متفاوتون مثلما تقتضيه مشيئة الله وحكمته - أما أرزاق العباد؛ فإنها تتفاوت بينهم بالنظر للتفاوت في القدرات والطاقات - وإنما تتحصل الأرزاق بفعل الجهود والنشاطات المبذولة - وهذه بين الناس متفاوتة تفاوتا ظاهرا؛ فهم ما بين باذل كادح نشيط، إلى قاعد متخاذل متثاقل - ومن ذكي فطن نبيه إلى غبي بليد أحمق - ومن محترٍّ متحفز غيور، إلى فاتر باهت معزول - وباختلاف هاتيك القدرات والاستعدادات يختلف التحصيل لدى الناس، وكذلك تختلف الأرزاق ليكون الناس بين مقلّ ومُكثر، أو مفتقر وموسر - قال ابن كثير رحمه الله في كيفية التفضيل في الرزق بين العباد في الدنيا: فمنهم الغني والفقير وبين ذلك - والحسن والقبيح وبين ذلك - ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا، وبين ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت