قوله: {كما بدأكم تعودون} الكاف في {كما} في موضع نصب، صفة لمصدر محذوف - وتقديره: وتعودون عودا مثلما بدأكم 33 - وفي تأويل هذه الآية وجهان: أحدهما، وهو قول ابن عباس: كما خلقكم أولا، تعودون بعد الفناء - وفي الحديث مما أخرجه الصحيحان عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: (يا أيها الناس إنكم تحشرون على الله حفاة عراة غرلا 34 كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا فاعلين) وبعبادة أخرى في تأويل الآية: أنه كما أحياكم في الدنيا يحييكم في الآخرة، وليس بعثكم بأشد من ابتداء إنشائكم.
ثانيهما: أن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفرانه.
قوله: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} فريقا الأول، منصوب بهدى - وفريقا الثاني، منصوب بتقدير فعل دل عليه ما بعده - وتقديره: وأضل فريقا حق عليهم الضلالة - ويجوز أن يكون منصوبا على الحال من ضمير {تعودون} وتقديره: كما بدأكم تعودون في هذه الحالة 35 أو تعودون فريقا.
والناس لا محالة فريقان: أحدهما: الفريق المهتدي من عباد الله - أولئك الذين وفقهم الله للهداية والرشاد فكانوا السعداء والصالحين والناجين - وثانيهما: الفريق الضال - وهو الذي أعرض واستكبر، ولما سمع ذكر الله وكلمة الحق والنور طغى وعتى وتجبر، ومضى جامحا مع الفاسقين الشاردين.
على أن المراد بالهداية والإضلال، هو الدلالة التي تنشرح بها صدور المؤمنين للاهتداء، وتضيق بها صدور الكافرين؛ لشدة إعراضهم عن الحق وفرط نفورهم عن صراط الله القويم.
قوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} الأولياء، جمع ومفرده الولي - وهو الناصر والحليف 36 - والمعنى: أن هذا الفريق الضال وهم الفاسقون والجاحدون والمعارضون عن دين الله قد لتخذوا الشياطين لهم حلفاء وأنصارا وأعوانا ليتولهم وينتصروا بهم، كقول بعض المشركين العرب؛ إذ يخاطبون أصنامهم الصم: أعل هبل - وذلك غاية ما تفضي السفاهة وهوان الأحلام بالإنسان؛ إذ تفضي به إلى هاوية الضلالة وإلى الدركات السحيقة من الجهل المطبق وموات الفطرة السليمة.
وهذه حقيقة مريرة تتراءى للعيان في كل الأشقياء من أعوان الشيطان الذين تشمئز قلوبهم من ذكر الحق ومن منهج الإسلام - لكنهم يستبشرون إذا ذكر أولياؤهم من طواغيت البشر الطواغيت الباغية الشريرة الذين استحوذوا على شطر البشرية أو أكثر، بالإضلال والإفساد والتلويث؛ فأزاغوهم عن دين الله، وأشربوهم الكفر والإلحاد والفساد إشرابا - فباتوا أشباحا من الأناسي المضللين المأفونين 37 الذين يركضون لاهثين سراعا في خفة وذلة وصغار وراء أسيادهم الشياطين المضلين من طواغيت البشر.
قوله: {ويحسبون أنهم مهتدون} يحسبون من المحسبة والحسبان بكسر الحاء، يعني الظن 38 - هؤلاء المشركون المعاندون، والذين عتوا عن منهج الله وعاثوا في الدنيا إضلالا وإفسادا يظنون أنهم على الهداية والرشاد، ولم يعترفوا أنهم على الباطل والضلال - لا جرم أن هؤلاء أشد في تمردهم وكفرهم؛ لأنهم يستندون في غيهم وضلالهم إلى حسبانهم الخاطئ وظنهم الواهم المريض، إن هؤلاء الجاهلين السفهاء أشد عتوا واضطغانا ممن يعلم في قرارة نفسه أنه على الباطل بالرغم من كونه سادرا في غيه وظلمه 39.