قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة لمصدر محذوف - و {كدنا} من الكيد وهو المكر والحيلة 78؛ أي مثل ذلك الكيد {كِدْنَا لِيُوسُفَ} يعني علمناه إياه (الكيد) وأوحينا به إليه ليكون له سبيلا لأخذ أخيه منهم.
قوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ} {دين الملك} أي حكمه وقضاؤه - والمعنى: أن يوسف ما كان ليستطيع أن يأخذ أخاه بنيامين في شريعة ملك مصر، إذ كان في شريعته أن السارق يغرم ضعفي ما سرق {إلا أن يشاء الله} استثناء منقطع - يعني: لكن أخذه بمشيئة الله في دين غير الملك وهو دين آل يعقوب، أن السارق جزاؤه الاسترقاق 79.
{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء} أي يرفع الله درجات من يشاء رفع درجاته {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} {ذي علم} ، أل عالم - والمعنى: أن كل عالم فوقه من هو أرفع منه درجة في العلم - قال الحسن البصري: ليس من عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل - وعن ابن عباس قال في ذلك: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم - وقال قتادة: {وفوق كل ذي علم عليم} ، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود 80.
قوله تعالى: {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} إن كان أخونا هذا قد سرق فهو يتأسى بمن سرق قلبه، فقد سرق أخ له من قبله - وهم يقصدون بذلك يوسف عليه السلام؛ فقد ذكر أن يوسف كان قد سرق صنما لجده فكسره، فكأنهم بذلك يقولون ليسوف وهم لا يعرفونه: إن كان إخوة يوسف من قلبه قد سرق فليس بدعا من أخيه هذا أن يسرق، فهم بذلك ينسبون السرقة إلى الأخوين الشقيقين كليهما إزالة للمعرة عنهم.
قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} الضمير في {فأسرها} مفسر بسياق الكلام 81؛ أي أسر في نفسه الحزازة والتألم والمضاضة من سوء ما سمعه من إخوته الذين كادوا له من قبل، وما فتئوا حتى الساعة يفترون عليه الباطل؛ فقد أخفى يوسف ذلك كله في نفسه ولم يظهره لهم ثم قال لهم: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} ذلك قول يوسف موبخا إياهم بعد أن كره مقالتهم التي حزت في نفسه؛ لأنها مقالة ظلم واتهام بالباطل - و {مكانا} ، تمييز منصوب؛ أي أنتم شر منزلة من غيركم؛ فقد سرقتم أخاكم من أبيكم وألقيتموه في المهلكة ورحتم تفترون الكذب والباطل على أبيكم {والله أعلم بما تصفون} أي أعلم بما تذكرون وتتقولون 82.
قوله تعالى: {قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 78 قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ}