قال ابن عباس في سبب نزوله قوله: (وإن كادوا ليفتنونك) قال: نزلت في وفد ثقيف أتوا رسول الله (ص) فسألوا شططا وقالوا: متعنا باللات سنة وحرّم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله (ص) ولم يجبهم فأقبلوا يكثرون مسألتهم وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم؛ فهمّ رسول الله (ص) أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير: قال المشركون للنبي (ص) : لا نكف عنك إلا بأن تلمّ بآلهتنا ولو بطرف أصابعك - فقال النبي (ص) :"ما عليّ لو فعلت والله يعلم أني بار"فأنزل الله (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) 85 (إن) ، مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف واللام، للتأكيد، وهي فارقة بين إن المخففة، وإنْ النافية - يعني: إنْ الشأن أنهم قاربوا أن يفتنوك؛ أي يخدعوك فاتنين من الفتنة - وهي في الأصل بمعنى الاختبار ثم استعمل في كل ما أزل الشيء عن حده وجهته فقوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) أي يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحيناه إليك وهو القرآن - والمراد عما فيه من أوامر وزواجر وأحكام ومواعظ (لتفترى علينا غيره) أي لتتقول علينا غير الذي قلناه لك - أي تختلق لهم ما اقترحوه وما سألوه من افتراء على الله.
قوله: (وإذا لاتخذوك خليلا) (إذا) ، حرف جواب وجزاء 86.
والخليل، الصديق، وجمعه أخلاء، من الخلة بالضم وهي الصداقة 87؛ أي لو فعلت ما سألوه من فتنتك عن الحق لاتخذوك لهم صديقا وأظهروا للناس أنك موال لهم وراض بشركهم وضلالهم.
قوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) أي لولا تثبيتنا لك وعصمتنا إياك من كيدهم وفتنتهم لقاربت أن تنجح إلى كيدهم وفتنتهم ركونا قليلا - ولما نزلت هذه الآية قال النبي (ص) :"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
قوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الضعف: أن يضم الشيء إلى مثله - وضعف الشيء؛ مثله مرتين - والتضعيف: أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر - وقد يكون الضعف بمعنى النصيب أو المثل 88 - والمعنى: لو ركنت إلى المشركين واتبعت مُرامهم وما سألوه لأذقناك مثلي عذاب الدنيا ومثل عذاب الآخرة وذلك غاية التوعد المخوف من الله لنبيه (ص) - والسبب في مضاعفة العذاب هنا هو علو الدرجة - فكلما عظمت درجات الناس تضاعفت مؤاخذتهم وكبرت مسؤولياتهم والنبي (ص) عظيم المنزلة والشرف؛ فكانت مؤاخذته بالذنب أعظم.
قوله: (ثم لا تجد لك علينا نصيرا) إذ أذقناك العذاب المضاعف فلن تجد لك من دوننا من يعينك أو ينقذك من عقابنا.