فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 2536

والمقصود أن الأمر بضرب الكافرين فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم إنما كان جزاء لهم بشقاقهم الله ورسوله، وهو مخالفتهم أمرهما، ومجانبتهم دينهما، واصطفافهم في شق مخالف لشقهما، وهو شق الظلم والظالمين - الشق المغاير لشق المؤمنين الصادقين.

قوله: {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} ذلك تهديد من الله للذين يشاقون الله ورسوله؛ أي يخالفون عن أمر الله وأمر رسوله الكريم، ويفرقون طاعتهما ليسيروا في طريق الشيطان حيث الضلال والباطل تهديد لهم من الله بشديد العقاب في الدنيا؛ إذا يستحقون فيها التقتيل لظلمهم وفسادهم، وفي الآخرة يكبكبون في النار على وجوههم داخرين مقبوحين خزايا.

قوله: {ذالكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} ذلكم، خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: والأمر ذلكم - وأن للكافرين معطوف على {ذالكم} وتقديره: والأمر أن للكافرين عذاب النار 19 والمراد بالكلام هنا التوبيخ لهؤلاء الكافرين المشتاقين لله ورسوله؛ أي هذا هو العقاب الذي عجله الله لكم في الدنيا وضرب فوق الأعناق، وضرب لكل بنان بأيدي المؤمنين {فذوقوه} فهو العاجل لكم، غير ما أعده الله لكم من العذاب الآجل يوم القيامة 20.

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار 15 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} الزحف، المشي - تزحف إليه أي تمشي - والتزاحف: التداني والتقارب - وقيل: الزحف معناه المشي قليلا قليلا - وأصل الزحف للصبي أن يزحف على استه قبل أن يقوم، وشبه الزحف في الحرب بزحف الصبي؛ إذ يذهب كل واحد من الطائفتين إلى صاحبتها للقتال فيمشي كل واحد منهما مشيا رويدا رويدا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للحرب 21.

ذلك تحريض من الله للمؤمنين حال القتال على أن لا يفورا بل يثبتوا ويقبلوا على لقاء العدو شجعانا بواسل لا يعطفهم عن ذلك جبن ولا تخاذل ولا خور، فيقول: إذا كنتم متزاحفين بعضكم إلى بعض، وأنتم يقترب ويتداني بعضكم من بعض للقاء في ساحة القتال فحذار أن تولوهم ظهورهم فتولوا منهزمين - بل اثبتوا فإن الله معكم، يثبتكم تثبيتا، وينصركم عليهم - وعلى هذا فإن الفرار يوم الزحف من غير سبب مشروع كبيرة من الكبائر التي وقع عليها التغليظ والنكير من الله ورسوله؛ فقد روي البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتوالي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) .

واختلف العلماء هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم هو عام في كل الزحزف إلى يوم القيامة؟ فقد قيل: إن ذلك مخصوص بأهل بدر؛ فلم يكن لهم أن يفروا؛ إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم - وفي هذا القول نظر، وهو ضعيف؛ فقد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، ولم يكونوا يرون أن يكون قتال بل ظنوا أنها العير فقط - وقالوا: إن حكم الآية هنا منسوخ بآية الضعف وسيأتي بيانها فيما بعد إن شاء الله - وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة، وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت