قوله: (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) ، اللام في (لكي لا) : لام التعليل، وكي مصدرية، وهي ناصبة للفعل بعدها - والمصدر المؤول من كي والفعل مجرور باللام، وقيل: اللام لام كي، وكي للتأكيد - وفي هذا نظر - وثمة وجه على أن اللام لام الصيرورة والعاقبة - و (شيئا) ، منصوب المصدر (علم) ، وقيل: منصوب بالفعل (يعلم) 78؛ أي: يؤول أمره من حال العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا - والمراد بذلك: قلة علمه وشدة نسيانه، فإذا علم شيئا لم يلبث أن ينساه سريعا.
قوله: (إن الله عليم قدير) ، الله يعلم كل شيء مما يجري أو يدور في الكون من أشياء وحوادث - ومن جملة ذلك: الخلق والإماتة، سواء في الصغر أو الشباب أو الكبر، أو الرد إلى أخسّ العمر حيث الهرم والخرف والتلف والاهتراء، ثم إماتة الصغير قبل الكبير، أو العظيم قبل الحقير، أو العالم قبل الجاهل، أو المؤمن التقي قبل الفاسق الموغل في العصيان؛ فكل ذلك بعلم الله وحكمته البالغة التي لا نعلم منها إلا ما علمنا إياه - وهو كذلك قدير على الخلق والتغيير والتحويل من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، لا معقب لحكمه وتقديره 79.
قوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) } ذلك توبيخ للمشركين وتقريع؛ لاتخاذهم مع الله آلهة من المخلوقات - والمعنى: أنكم أيها المشركون لا ترضون بشركة مماليككم في شيء من أموالكم وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله، فكيف بكم تشركون بالله في الألوهية والمعبودية بعض مخلوقاته؟! وبعبارة أخرى: فأنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف ترضون لله أن يساويه عبيده في الإلهية والمعبودية والتعظيم؟! وعلى هذا قوله: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء) ، أي: جعلكم الله متفاوتين في الرزق مما أعطاكم؛ إذ جعلكم أكثر رزقا من مماليككم الذين ربما كانوا أعظم منكم في العلم والورع - لكن الذين فضلهم الله في هذا الرزق، وهم الملاك، غير رادين ما أعطاهم من الرزق على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية ليكونوا جميعا فيه (سواء) ، أي: متساوين لا تفاضل بينهم - فما دمتم لا ترضون لعبيدكم أن يكونوا شركاءكم فيما تملكون، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شركاء من عبيده؟! وقوله: (فهم فيه سواء) ، هذه الجملة اسمية، في موضع نصب؛ لأنها وقعت جوابا للنفي، وقامت هذه الجملة الاسمية مقام جملة فعلية - وتقديره: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا 80، وهذا مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تُسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟! 81.
قوله: (أفبنعمة الله يجحدون) ، الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء للعطف على مقدر، وذلك استفهام عن جحود هؤلاء المشركين نعمة ربهم، استفهام توبيخ وإنكار؛ فقد تفضل الله عليهم بالنعم الكثيرة التي لا تحصى، لكنهم جحدوا ذلك كله، وعبدوا معه آلهة مزعومة أخرى 82.