فهرس الكتاب
وهو كذلك شأن الإنسان المتقلب المتأرجح في كل زمان سواء في الجاهلية أو فيما يعقبها من الأدهار والأزمان - ذلك هو الإنسان الذي أفرغ قلبه من العقيدة الثابتة الصحيحة أو الإيمان الراسخ السليم؛ فهو مضطرب ومتلجلج ومتأرجح، لا يسير إلا تبعا لهواه أو ما يميل إليه قلبه وما تشتهيه نفسه - فحيثما مال قلبه وهواه، مضى بشخصه فتصرف واتبع؛ فهو بذلك مستديم التقلب تبعا لتقلب هواه وما تميل إليه نفسه مما يروق لها أو يشغفها رغبة وحبا.
قوله: (أفأنت تكون عليه وكيلا) الاستفهام للإنكار - والوكيل بمعنى الحفيظ؛ أي هل تستطيع أن تحفظه من عبادة ما يهواه، أو تصرفه عن الهوى إلى الإسلام والهدى - فمثل هذا الإنسان الذي يميل إلى ما يهواه ولا يعبد إلا هواه - لا تستطيع الكلمة الطيبة السديدة أن تلج إلى قلبه فتغيره تغييرا أو تحوّله عن اتباع الهوى إلى اتباع الحق - لا يملك الداعون إلى الله بحديثهم الجيد وخطابهم السديد النافذ أن يكفكفوا لوثة الهوى الجامح عن قلوب الخائرين من أهل الشهوات وعبّاد الهوى الذين لا يعبأون بغير منافعهم وملذاتهم وأهوائهم.
قوله: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) (أم) ، المنقطعة بمعنى بل والهمزة؛ أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون الحق أو يعقلون البينات والحجج فيرشدون ويهتدون - وذلك أشده مذمة من المذمة التي تقدمت حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماء والعقول؛ فهم بذلك كالأنعام في عدم الاستفادة من السمع والعقل، بل إنهم أشد ضلالة من الأنعام؛ لأن هذه تنقاد لمن يتعهدها وتدرك بغريزتها وطبيعتها من يحسن إليها، ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، فضلا عن أنها تسبح ربها - أم هؤلاء الضالون الذين يعبدون أهواءهم؛ فإنهم جاحدون لأنعم الله عليهم، منكرون لفضله وإحسانه إليهم، وإنما يركضون جامحين خلف الشيطان من الإنس والجن يبتغون إرضاءه ويسلكون وراءه مسالك الضلال والباطل.
وبذلك كان المجرمون من المشركين والضالين والظالمين أشد من الأنعام ضلالا - وهو قوله: (بل هم أضل سبيلا) 30.
قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) } هذه جملة من الدلائل الواضحة التي تكشف عن قدرة الصانع وعن بالغ حكمته وتدبيره للكون والكائنات - فقال سبحانه: (ألم تر إلى ربك) يعني ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته (كيف مد الظل) المراد بالظل في قول الجمهور: ما كان من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس - وفي هذه الفترة الوادعة من الزمان يبسط الله الظل على الأرض ليثير فيها من نداوة الرحمة وطيب الأجواء الرخيّة الغامرة ما ينشر في الحياة السعادة، ويثير في القلوب البهجة والاستئناس - وهو يشبه ظل الجنة؛ فهو ظل ممدود لا شمس فيه ولا ظلام.
قوله: (ولو شاء لجعله ساكنا) أي لجعل الظل دائما لا يزول ولا تذهبه الشمس كما قال ابن عباس - أو لا تصيبه الشمس ولا يزول، أو لتركه ظلا كما هو على الدوام - وهي أقوال متقاربة تبين قدرة الصانع الحكيم في الخلق.