بيان إجمالي للسورة:
هذه السورة مكية كلها في قول أكثر العلماء - وقيل: باستثناء آيتين فهم مدنيتان - وقيل: باستثناء سبع آيات.
وهذه السورة مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأه من القرآن في كل ليلة - وهي سورة تتندّى منها الآيات والعبر وتفيض منها المواعظ والدلائل وألوان المعاني - ويأتي في طليعة ذلك كله التنديد بالشرك وعبادة الأوثان واتخاذ الأنداد والشركاء من دون الله.
وفي السورة تحضيض عظيم ومؤثر على الإيمان وحده وإفراده بالإلهية فالله وحده الخالق المعبود، وما سواه من أجزاء هذا الوجود خليق به أن يذعن لله بالخضوع والاستسلام.
وتتضمن السورة حججا وبينات شتى في الحياة والطبيعة على عظيم صنع الله وبالغ حكمته وقدرته.
وفي السورة إنذار من الله مجلجل ومخُوف بأن الناس جميعا ميتون لا محالة.
فالخليقة صائرة إلى نهايتها المحتومة التي لا ريب فيها وهي الموت - {إنك ميَّت وإنهم ميّتون} .
وفي السورة بيان من الله مذهل بما هو آتٍ على الكون نمن نفخ في الصور - وهما نفختان عظيمتان مريعتان - فنفخة الصعق لتموت الأحياء كافة، ثم نفخة البعث والنشور لملاقاة الحساب، ثم يساق بعد ذلك زمرا فإما إلى الجنة وإما إلى النار.
{تَنْزِيلُ} مرفوع على أنه مبتدأ - و {مِنَ اللَّهِ} خبر - أو يكون
{تَنْزِيلُ} خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره: هذا تنزيل
والمراد بالكتاب القرآن؛ فهو تنزيل من عند الله {الْعَزِيزِ} أي القوي،
المنيع الجناب {الْحَكِيمِ} في أقواله وأفعاله وأحكامه وتقديره وتدبيره.
قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أنزل الله القرآن بالعدل والصدق ليكون هاديا ونذيرا للعالمين.
قوله: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أمره الله بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، أو أمره بالخشوع له والطاعة وإفراده وحده بالعبادة.
3 - (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)
قوله: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} والدين بمعنى العبادة والطاعة - والمعنى: إن العبادة والطاعة والامتثال والإذعان إنما ذلك كله خالص لله وحده - فما ينبغي أن يكون لأحد غير الله شيء من ذلك.
قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} : {وَالَّذِينَ} مبتدأ وخبره محذوف - وتقديره: يقولون: ما نعبدهم.
هؤلاء هم المشركون المبْطلون السادرون في غيهم وضلالهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم وخالقكم، ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله - فإذا قيل لهم: كيف تعبدون هذه الأصنام والله خالقها وخالق كل شيء؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، فيشفعوا لنا عنده في نصرنا ورزقنا وليكونوا لنا أعوانا لنا عند النائبات في هذه الدنيا - أما الآخرة فهم يجحدونها ويكذبون بها.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} الله يقضي بين العباد يوم القيامة فيجازي المحق بإيمانه واهتدائه، والمُبْطِل بما كان عليه من باطل وفساد.