قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} {فُزِّعَ} من التفزيع أي إزالة الفزع، و {حَتَّى} للغاية - وذلك لما فُهم من أن انتظارا للإذن وتوقعا وفزعا من الراجحين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم بالشفاعة أو لا يؤذن لهم بها - فهم في حالهم من طول التربص وشدة الفزع حتى إذا كُشف الفزعُ عن قلوبهم سأل بعضهم بعضا {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} أي قال القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى من عباده.
وقيل: المراد بذلك ملائكة السماوات والأرض؛ إذ يسمعون التكلم من الله بالوحي ارتعدوا وأخذتهم رجفة من هول الهيبة وعظيم الجلال حتى يلحقهم مثل الغشي.
قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} الله ذو العلو والكبرياء وهو ذو الملكوت والجبروت وليس لأحد في هذا اليوم العصيب أن يتكلم أو يشفع لأحد إلا بإذنه سبحانه 28.
قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرِّر المشركين بأن رازقهم هو الله، لأنهم لا يمكن أن يقولوا إن آلهتهم ترزقهم فهي لا تملك الرزق ولا تملك مثقال ذرة في السماوات وفي الأرض - فهم كما يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض إلا الله فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره وأنه المعبود وحده وأم ما يعبدون من دونه إلا تماثيل موهومة.
قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} يعني وإن أحد من الفريقين من المذعنين لله بالخضوع والطاعة، المقرِّين له بالإلهية والوحدانية، والمشركين الذين أشركوا به غيره من الأصنام والجمادات، والمتخذين الأنداد من دو الله، لعلى أحد الأمرين من الهدى، والضلال المبين - أي في حيرة وعمه وتخبط - وهذا من باب اللف والنشر - أي أن أحد الفريقين محق، والآخر مبطل ولا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، أما نحن فقد أقمنا الحجة على أن الله حق وأنه وحده المتفرِّد بالإلهية والخلْق والرزق، فدلَّ ذلك على بطلان ما أتم عليه من الشرك وعلى أننا نحن على الحق وجادة الصواب.
قوله: {قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ذلك ترسيخ لحقيقة المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل - وهو ما يحققه مدلول الآية وهو أنكم لستم منا ولا نحن منكم - بل نحن ندعوكم إلى الله وحده وإفراده دون غيره بالإلهية والربوبية والإذعان له بكامل الطاعة والعبادة، فإن استجبتم لما ندعوكم إليه فنحن وإياكم ماضون على صراط الله إلى حيث الفوز والنجاة، وإن كذبتم فنحن براء منكم وأنتم برءاء منا.