على أن المراد بالناس في الآية: قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان المشركون يؤذونهم بالغ الأذى ويعذبونهم أشد تعذيب بسبب إسلامهم، كعمار وأبيه ياسر وأمه سمية وغيرهم من المسلمين المستضعفين الذين جار عليهم الظالمون فنكلوا بهم تنكيلا لاستمساكهم بعقيدة الإسلام ورفضهم عقائد الكفر وملل الضلال والباطل - فنزلت هذه الآية لتواسيهم ولكي تُسرّي عنهم وتكفكف عن نفوسهم وقلوبهم ما كان يعتريها من الألم والمضاضة والاغتمام.
على أن هذه الآية، وإن نزلت بهذا السبب وما في معناه، لكنها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لينسحب معناها ومقتضاها على المسلمين في كل زمان؛ ذلك أن الفتنة ما فتئت تصيب المسلمين في سائر الأزمان والبلدان؛ تصيبهم في أبدانهم وأموالهم وأرزاقهم وكراماتهم وأوطانهم مما يبتليهم به الله من مختلف البلايا، أو ما يحيف به الظالمون والطغاة عليهم - أولئك العتاة الغلاظ من مجرمي البشر وشياطين الإنسانية الذين يبطشون بالمسلمين ويتفاخرون بتعذيبهم والتنكيل بهم كلما سنحت لهم الأحوال والظروف، ليستذلوهم مرة، أو ليقتلوهم مرة أخرى، أو يخرجوهم من ديارهم ويستأصلوهم استئصالا في كثير من الأحيان العصيبة التي ألمت بالمسلمين وحاقت بهم ليُشردوا ويُهَجّروا أو يُقتلوا تقتيلا - وقد حصل للمسلمين مثل ذلك في مختلف الأزمان والأوطان، كالأندلس، وفلسطين، وكشمير، والبوسنة والهرسك وغير ذلك من الأوطان التي ذُبح فيها المسلمون بالكلية أو شردوا وهجروا من ديارهم تهجيرا.
قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} {فتناّ} من الفتنة وهي الاختبار والامتحان 2، أي ابتلينا السابقين من المؤمنين وامتحناهم بمختلف الوجوه من البلاء، كإبراهيم الخليل، إذ ألقاه الظالمون في النار.
وكذلك غيره من المؤمنين الذين نُشّروا بالمناشير وقطعت أطرافهم وأعضاؤهم تقطيعا وما صدهم ذلك كله عن دينهم - وقد روى البخاري عن خباب بن الأرث قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمهُ وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه - والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".
قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} : أي ليرين اللهُ الذين صدقوا في إيمانهم وليرين الكاذبين - وقيل: ليُظهرن الله الذين صدقوا وليُظهرن الكاذبين - وقيل: ليُميزنّ الله الصادقين من الكاذبين - والمقصود: أن الله عالم بالصادق والكاذب قبل الامتحان، وقبل أن يخلق الصادق أو الكاذب نفسه.
وإنما المراد إظهار الصادق والكاذب في قولهما والتمييز بينهما بما يصيبهما من بلاء.