فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 2536

الحقيقة الثانية: اتخاذ الشهداء - وهو مقتضى قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) أي يكرمكم بالشهادة، وهذه درجة عالية وكريمة وبالغة في الرفعة والسمو يكتبها الله لفريق من الأبرار المجاهدين الذين يقتلون بسلاح العدو في معركة النضال والشرف وهم يذودون عن دين الله ويدرأون عن الإسلام والمسلمين كيد الأشرار والأعادي - أولئك هم الأعلون الذين بوأهم الله ذروة التكريم في الجنة.

والشهداء، جمع ومفرده شهيد - وهو القتيل في سبيل الله - وفي تعليل هذه الاسم عدة وجوه: منها: أن ملائكة الرحمة تشهد مقتله.

ومنها: أن الله وملائكته يشهدون له بالجنة.

ومنها: أنه يوم القيامة يشهد على الأمم السابقة مع النبيين والصديقين.

ومنها: سقوطه على الشاهدة وهي الأرض وذلك عقيب إصابته بما يقتل.

ومنها: سمي شهيدا بمعنى حاضر فهو حي عند ربه لم يمت، وبذلك فإن أرواح الشهداء حية وقد حضرت دار السلام أما رواح غيرهم فلا تشهدها 234.

ثم قال بعد ذلك: (والله لا يحب الظالمين) أي المشركين، وهذه الجملة اعتراض بين بعض التعليل وبعض - وتأويل ذلك أن الله لا يحب المشركين - وهم إن أنالهم الله من المؤمنين فإن ذلك لما فيه من حكم وفوائد - وإنما يحب الله عباده المؤمنين.

الحقيقة الثالثة: تمحيص المؤمنين - وذلك في قوله: (وليمحص الله الذين آمنوا) والتمحيص معناه الاختبار والابتلاء - وقيل: التطهير والتصفية - فيكون المعنى، أن الله قد ابتلى المؤمنين بما حصل لهم لكي يطهرهم من ذنوبهم فيخرجوا بعد الابتلاء مطهرين أنقياء من الذنوب.

الحقيقة الرابعة: محق الكافرين - يعني استئصالهم بالهلاك - وهو مقتضى قوله تعالى: (ويمحق الكافرين) من المحق والتمحيق وهو في اللغة الإبطال والمحو 235 وتأويل قوله: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فإن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم - فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين؛ لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم - وهذا من قول الزجاج 236.

قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) .

(أم حسبتم) ، كلام مستأنف - وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيها للإنكار، أي بل حسبتم - وجملة (ولما يعلم) في محل نصب على الحال - ولما بمعنى لطم إلا أن فيها ضربا من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل - ويعلم مجزوم بلما وكسرت فيها الميم لالتقاء الساكنين (ويعلم الصابرين) يعلم منصوب بإضمار أن - وقيل: الواو بمعنى حي، أي حتى يعلم الصابرين 237.

والمعنى المراد من الآية: أتحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة منكم وصبر - فإنه من البعيد أن تصلوا إلى السعادة والفوز برضى الله والجنة من غير مجاهدة وتضحية وصبر.

وقوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت