فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 2536

ولسوف تبقى الحال بينهم هكذا من العداوة والبغضاء ما داموا منتكسين مدبرين عن منهج الله الصحيح - وما داموا يتمالئون ويتآمرون على دعوة الحق ليبددوها وأهلها تبديدا تاما، وما داموا يثيرون في الدنيا الأذى والتخريب والفساد وإشاعة الباطل والجريمة والمنكر - وكان ذروة ذلك كله الظاهرة البغيضة المشؤومة، وهي ظاهرة الاستعمار - الاستعمار الذي يثير في النفس التقزز والامتعاض والاشمئزاز، الاستعمار الذي قام على الجريمة والعدوان والأنانية الميكافيلية، وذلك في غاية من دركات الخسة واللؤم والتوقح الصارخ - ذلك هو الاستعمار الأوروبي والأمريكي الذي عاث في ديار المسلمين الخراب والهوان فدمرهم تدميرا وأزال شوكتهم ودولتهم البتة، واصطنع فيهم من أسباب التفرقة والتشتيت ما مزقهم شر ممزق إلى غير ذلك من ظواهر الإبادة والإهلاك والإذلال - وأشد من ذلك ما أشاعه المستعمرون وأتباعهم المبشرون والمستشرقون من أكاذيب وافتراءات وتخريص عن عقيدة الإسلام ومنهجه ونظمه وقيمه - وعن شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بما يشوه تشويها وما يثير في أذهان المسلمين والبشرية أبشع صورة وفكرة والحديث المرير عن أفاعيل النصارى في المسلمين يطول!!

ومن أجل هاتيك الجرائم النكراء التي ارتكبها الصليبيون الحاقدون في حق الإسلام والمسلمين والبشرية لسوف يذيقهم الله الويلات والمحن، ما بين أمراض سارية غريبة فتاكة، أو تمزق اجتماعي فظيع فاضح، أو مباغضات ومشاحنات نفسية ومذهبية دينية نتيجة لاختلافهم إلى طوائف وملل شتى كاليعقوبية والنسطورية قديما ثم البروتستانت والكاثوليك والأرثوذوكس فيما بعد.

قوله: {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} توعدهم بالعذاب والنكال يوم القيامة بعد أن ينالوا في الدنيا جزاءهم من المباغضات والكراهية والحروب - وسوف ينبئ الله هؤلاء الضالين بما جنوه في الدنيا من نقض للميثاق ومن جحود وكفران وفظائع في حق الإسلام والمسلمين والبشرية كلها.

قوله تعال: {يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتب مبين (15) يهدي به الله من اتبع رضونه سبل السلام ويخرجهم من الظلمت إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} .

أهل الكتاب، اليهود والنصارى - والكتاب اسم جنس، أي الكتب - والله يخاطب أصحاب الملتين بأنهم أهل الكتاب فهم أجدر أن يفيئوا إلى الحق، وأن يهتدوا إلى سبيل الله وأن يسلكوا طريق الصواب الذي جاء به الإسلام، إنهم أجدر الناس طرا باتباع دين الإسلام والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك خاطبهم على أنهم أهل كتب سماوية منزلة فيها خبر النبي الأمين الخاتم صلى الله عليه وسلم فقال: {يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} أي جاءكم الرسول محمد كاشفا للحقيقة التي حوتها كتبكم السماوية والتي أخفيتموها ظلما وعتوا - فقد أخفيتم خبر الرسول محمد الذي بشر به المسيح عليه السلام والذي جاء ذكره كذلك في التوراة، وأخفيتم قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة وخنازير، وأخفيتم أيضا حد الرجم للزاني المحصن وغير ذلك من أحكام وقضايا.

قوله: {ويعفوا عن كثير} أي لا يبين ولا يذكر كثيرا مما أخفيتموه في كتابكم التوراة، بل يتركه، لأنه لا تدعو إلى إظهاره حاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت