فهرس الكتاب
وبعد أن فرغ من الحديث عن اليهود أخذ في الحديث عن النصارى ليكشف عن جناياتهم وجرائمهم المنكرة في الجحد والكفران وإنما قال سبحانه: {قالوا إنا نصرى} ولم يقل - من النصارى - إشارة إلى أنهم على دين النصرانية بزعمهم وليسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بمقتضاها ولمخالفتهم ما حواه الإنجيل من التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: {أخذنا ميثقهم فنسوا حظا مما ذكروا به} أي أخذنا من النصارى العهد على طاعتي واتباع أوامري والتصديق برسلي، لكنهم بدلوا كما بدل اليهود فنسوا نصيبا أساسيا عظيما من الإيمان وهو ما ذكروا به في الميثاق، وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
إنما نسوا ذلك تبعا للهوى والرغبة الضالة المريضة في التحريف والتبديل، وذلكم هو الكفر والضلال.
قوله: {فأغرينا بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيمة} وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وجحدهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم - ونتيجة لتمالؤهم على الإسلام والمسلمين بما يكيدونه لهم في الظلام من تدبير للمؤامرات وحبك للحيل والأساليب والمخططات الماكرة لاستئصال شأفتهم وإذلالهم وإضعافهم وغزوهم في عقر ديارهم - وكذلك نتيجة لكيدهم لشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بمختلف الأساليب الخسيسة من التشويه والافتراء وإشاعة الكذب في أذهان البشرية عن هذا النبي الطهور المفضال - من أجل ذلك أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
وأغرينا، فعله غرا أي لزق به - وغرا الجلد، ألصقه بالغراء - والغرا بالفتح، ما طلي به أو لصق به 55 وهو مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ ونحوه - وقيل: الإغراء تسليط بعض النصارى على بعض وقيل: الإغراء معناه التحريش بينهم ليظلوا على الدوام في عداوة وبغضاء فيما بينهم - والعداوة والبغضاء مركوزان مستكنان في طبائع النصارى ليظلوا على الدوام في تنافر بغيض وتنافس حقود قائم على الكراهية والأنانية وحب الشهوات والملذات حتى تنفجر بينهم الحروب الطاحنة الضروس التي أذاقتهم الويلات والأهوال، وأزهقت فيهم من الأرواح عشرات الملايين - ومن جملة ذلك في العهد القريب من هذا القرن، تلك الحرب العالمية الثانية بين دول المحور وفي طليعتها ألمانيا النازية، والحلفاء وفيهم الأمريكان والإنجليز - هذه الحرب الرهيبة التي عز نظيرها في تاريخ الحروب كافة والتي استمرت عدة سنوات فكان حصادها سبعين مليونا من البشر، فضلا عن التدمير والتخريب والتشويه وإتلاف الأعصاب.