واختلف العلماء أيضا في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يكون ذلك طلقة رجعية أو بائنة أو لا يلزم بذلك شيء؟ فقد ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم أنه لا يلزمه طلاق، لا طلقة واحدة ولا أكثر - وقيل: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة - وهو قول الحسن البصري والليث - وروي مثله عن مالك - واحتجوا بأن قوله لها: اختاري، كناية عن إيقاع الطلاق فإذا ما أضافه إليها وقعت طلقة - والراجح القول الأول؛ لما أخرجه الصحيحان عن عائشة قالت:"خيرنا رسول الله صلى اله عليه وسلم، فاخترناه، فلم يعد علينا طلاقا"قال ابن المنذر: وحديث عائشة يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا.
واختلفوا في المخيرة إذا اختارت نفسها فهل ذلك طلقة رجعية أو بائنة؟ فقد قيل: طلقة رجعية يملك زوجها رجعتها - وقد روي عن عمر وابن مسعود وابن عباس - وهو قول ابن أبي ليلى والثوري والشافعي.
وقيل: إذا اختارت نفسها فتلك طلقة واحدة بائنة - وهو قول الحنفية - وهي رواية عن مالك 47.
قوله" {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} أي إن كنتن تؤثرن حب الله ورسوله، وتؤثرن الجنة ونعيمها على الدنيا وما فيها، فقد أعدّ الله للمحسنات منكم اللاتي عملن الصالحات"
{أَجْرًا عَظِيمًا} وهو الجزاء العظيم الذي لا يعْدله جزاء.
قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} .
(الفاحشة) من الفحش وهو كل شيء جاوز الحد - وفحش الشيء فُحشا أي قَبُح قُبحا - وجمعها فواحش 48 والمراد بالفاحشة هنا، الكبيرة من الكبائر - وهي السيئة البليغة في القبح؛ فإنه لما اختار نساء النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله واستقرّ أمرهن زوجات لشخصه الكريم، أخبرهن الله بشأنهن المميز وبما لهن من خصيصة التكريم والإجلال أكثر من غيرهن من النساء المسلمات - فناسب بذلك إبلاغهن حكمهن بأن من يأت منهن فاحشة {بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أي معصية ظاهرة، كالنشوز والإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشق عليه أو يحزنه أو غير ذلك من وجوه المساءات والمعاصي {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} أي يعذبهن الله مثليْ عذاب غيرهن من النساء - وذلك لشرفهن وعظيم منزلتهن وفضلهن على سائر النساء.
قال القرطبي في هذا الصدد: إنه كلما تضاعفت الحرمات فهتِكت تضاعفت العقوبات؛ ولذلك ضوعف حَدُّ الحرِّ على العبد، والثيب على البكر - وقيل: لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب - وقيل: إنما ذلك لعِظَم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
على أنه أراد بالضعفين المثلين أو المرتين - والضعف في كلام العرب المثل.