ثانيهما: القِران: وكيفيته أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد فيهلّ بهما جميعا ويقول حين التلبية: لبيك اللهم بحجة وعمرة معا، فإذا قدم مكة طاف بالحجة والعمرة طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا - وذلك الذي ذهب إليه مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين - واستدلوا على ذلك بما أخرجه البخاري من حديث النبي (ص) لعائشة:"يسعك طوافك لحجك وعمرتك"وفي رواية أخرى:"يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وذهب آخرون وفيهم أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين - واستدلوا لذلك بحديث عن علي كرم الله وجهه أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (ص) فعل.
أما أن يسمى القران تمتعا؛ فذلك لأن القارن يتمتع بترك السفر وما يتخلله من تعب مرتين - واحدة للعمرة وأخرى للحج فهو إذا متمتع ببحبوحة الاختصار في السفر من مرتين إلى واحدة ويجمعهما معا في إحرام واحد - هذا وجه من التمتع يستفاد من قوله سبحانه: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) 257.
وقوله: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) - المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يجد هديا لعدم المال أو لعدم البهيمة نفسها، فإن عليه صيام عشرة أيام - الثلاثة الأولى منها في الحج، والسبعة الأخرى إذا رجع إلى أهله وبلده، واختلفوا في موعد الأيام الثلاثة الأولى - فقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المتمتع الذي لا يجد هديا يصوم اليوم الذي قبل يوم التروية ثم يوم التروية نفسه ثم يوم عرفة فتلك أيام ثلاثة، وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل إلى صيامهن ما بين الإهلال بالحج إلى يوم عرفة - وقال الثوري والأوزاعي: له صيامهن من أول أيام العشر من ذي الحجة - وقيل: يصومها مادام بمكة في أيام منى وقيل غير ذلك.
ويبقى في ذمته صيام أيام سبعة أخرى - وقد رخص الله له في الآية أن يصومها إذا رجع إلى وطنه، فقال سبحانه في ذلك: (وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) ذلك تأكيد على اكتمال الأيام لتكون عشرة - وهو كقول تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه) .
وقوله: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) اسم الإشارة عائد على وجوب الدم على التمتع - ويراد به الغريب الذي ليس من أهل مكة - أما أهل مكة فإنهم لا متعة لهم وهو ما يفهم ظاهرا من الآية - فقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم أحلّت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، وإنما يقطع أحدكم واديا أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل"بعمرة - على أنه يمكن تحديد مكان يكون ما دونه داخلا في الحرم (مكة) وما كان بعده خارجا من نطاق الحرم - وتحديد ذلك بالمواقيت التي جعلت للحجاج والمعتمرين ليبدأوا منها إحرامهم - وعلى هذا فمن كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة ليس له أن يتمتع - ومن كان أهله وراء المواقيت كان غريبا عن مكة فله أن يتمتع 258."