وفي قول آخر لابن عمر وعائشة وابن الزبير بأنه لا يجزئ في الهدي من الأنعام للمحصر إلا من الإبل والبقر فقط، ولا يكون الهدي من الشياه - والقول الأول هو الراجح؛ نظرا للدليل من السنّة الذي ساقه الجمهور واستنادا إلى الظاهر من الآية وهو أن يقدم المحصر ما تيسر له من الأنعام وقد لا يتيسر له غير الشاة في هذه الحال 255.
قوله: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) المخاطب بذلك من كان حاجا أو معتمرا سواء كان محصرا أو غير محصر فليس له أن يحلق إلا بعد أن يبلغ هديه موضعه، وموضع الهدي بالنسبة للمحصر هو موضع إحصاره الذي لا يستطيع مجاوزته إلى البيت العتيق، كالذي فعله النبي (ص) وأصحابه بعد أن صدتهم قريش عن بلوغ البيت عام الحديبية فنحروا ثم حلقوا - وهكذا الحاج أو المعتمر إذا كان في حالة من الإحصار فإنه لا يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد أني نحر الهدْي في محلّه الذي وقع عليه فيه الإحصار.
وأما موضع الهدْي بالنسبة لغير المحصر فهو البيت العتيق، فليس له أن يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد نحره للهدي في محل وهو البيت؛ لقوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق) وذلك في حق الآمن غير المحصر 256.
وقوله: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) .
جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله (ص) فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله (ص) أن يحلق رأسه وقال:"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدّين مدّين لكل إنسان، أو انسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك"- يستفاد من هذا أن الحاج أو المعتمر في حال الإحرام إذا أصابه في رأسه سوء أو مرض ونحوه مما يؤذيه ويسبب له المضايقة والحرج جاز له أن يحلق رأسه فيُذهب الشعر حيث المرض أو التفث أو الأذى على أن يفتدي بأي الأشياء الثلاثة المذكورة في الآية - وهي إما صيام أيام ثلاثة، أو إطعام ستة مساكين لكل واحد منهم مدّان، او تقديم نسك وهو شاة - ولا يشترط في هذه الأشياء الثلاثة الترتيب، بل للمعذور الرخصة في اختيار منها ما يشاء فورودها في الآية لا يفهم منه الترتيب، بل التخيير ويعزز ذلك الحديث الذي ذكرناه"أي ذلك فعلت أجزأ عنك".
وقوله: (فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) إذا ذهب الخوف وزال الإحصار وأصبحتم آمنين ثم فرغتم من القران أو التمتع فعليكم أن تذبحوا ما أمكنكم من الهدي وأقّله شاة - ويؤخذ من هذه الآية تشريع الإحرام بأقسامه الثلاثة: الإفراد والقِران والتمتع - فمن أحرم بالحج وحده كان مفردا، ومن احرم بالعمرة والحج معا كان قارنا، ومن أحرم بالعمرة فتحلل منها بعد أدائها ثم أحرم بعد ذلك بالحج في موعده من نفس العام والشهر كان متمتعا - وذلك جائز كله بالإجماع - وأخرج مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله (ص) فقال:"من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهل بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ"قالت عائشة: فأهلّ رسول الله (ص) بحج، وأهلّ به ناس معه، وأهلّ ناس بالعمرة والحج - وأهلّ ناس بعمرة وكنت فيمن أهلّ بالعمرة.
أما التمتع بالعمرة إلى الحج الوارد في الآية فهو على وجهين:
أولهما: التمتع المعلوم الذي أجمع عليه العلماء، وهو المراد بقوله سبحانه: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وكيفيته أن يحرم المسلم بعمرة في أشهر الحج على ألا يكون من أهل مكة، فإذا قدم مكة واعتمر تحلل من إحرامه وظل مقيما حلالا بمكة حتى موعد الحج فيؤدي مناسكه قبل خروجه إلى بلده كما سنبينه.