فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 2536

قوله: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) (الذين) في محل نصب بدل من الذين نافقوا - وقيل: في محل نصب على الذم - وقيل غير ذلك.

والمراد بالذين قالوا، عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين - فقد (قالوا لإخوانهم) أي لأجل إخوانهم - وهي الأخوة في النسب أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار أو في عداوة الرسول صلى الله عليه و سلم أو في عبادة الأوثان- قالوا لهم حال كونهم قاعدين عن الجهاد: (لو أطاعونا ما قتلوا) أي أن هؤلاء الذين قتلوا لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا بالتخلف عن القتال لنجوا ولم يقتلوا.

لكن الله تعالى رد مقالتهم هذه بقوله: (قل فادرءوا عن أنفسهم الموت إن كنتم صادقين) أي إن كنتم أيها المنافقون صادقين في قيلكم لو أطاعنا إخواننا في عدم الخروج للجهاد لما قتلوا، فجدوا إلى دفع الموت عنكم سبيلا - والحقيقة أن هذا الدرء (الدفع) لا يغني شيئا في الموت المحتوم - فمن لم يمت بهذا السبب فأسباب الموت الأخرى ككثيرة ولسوف يحيق بالهاربين المتخلفين عن الجهاد سبب من أسباب الموت ليلاقوا أجلهم المقدور إذا حان.

قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) .

يبين الله أن الذين يقتلون مجاهدين في سبيل الله قد أعد لهم كرامة خاصة لا تتسنى لغير الشهداء - فالناس بالقتل تزهق أرواحهم ليكونوا في عددا الموتى، لكن قتلى الجهاد لا يموتون، بل يكونون أحياء ينعمون بالحياة الخاصة الحافلة بالنعيم والتكريم - والآية في شهداء أحد - وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة - وقيل: بل هي عامة في جميع الشهداء - وفي الكشف عن طبيعة الحال التي يكون عليها الشهداء وما أعد الله لهم من الحياة الخاصة عقب القتل، أخرج مسلم بإسناده عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال:"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القنادل".

وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة"270.

قوله: (لا تسحبن الذين قتلوا) الخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم فهو الحاسب - وقيل: كل أحد - فيكون (الذين) في محل نصب مفعول به أول - و (أمواتا) مفعول به ثان منصوب وقوله (أحياء) خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره هم - وتقدير الكلام: بل هم أحياء.

والمراد أن الشهداء أحياء يرزقون في الجنة - وهم وإن فارقوا الحياة الدنيا وأجسادهم في التراب فإن أرواحهم حية لم يأت عليها الموت - وقد فضلهم الله بالرزق في الجنة عقب القتل مباشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت