قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) لو كان القرآن من وضع المخلوقات سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنة لكان فيه اختلاف كثير - ولا جرم أن يكون قوله: (اختلافا) قد احتوى جملة معان أو مضامين - فإنه يندرج تحت هذه الكلمة كل من التباين والتفاوت والتعارض والتناقض والتضاد - وبذلك فإن اختيار الكلمة (اختلافا) بالذات يوحي بشيء من إعجاز - إذ لو كان القائل واحدا من الخلق لما طرأ على باله أن يصطفي هذه الكلمة بالذات وهي قوله: (اختلافا) ولكان على الغالب أن يختار كلمة من صنف محدد آخر.
وتلك ظاهرة من ظواهر الإعجاز في القرآن وهو أنه لا وجود للاختلاف فيه - فهو كلام متكامل ومتّسق لا مجال للتعارض فيه أو التناقض أو التباين بين آياته ومعانيه سواء في العبارة أو المعنى فإن ذلك كله قد جاء على مستوى رفيع واحد وعلى درجة سامقة رائعة واحدة بحيث تتشابه فيه الآيات والعبارات والمقاطع لتكون جميعها في نفس المرتبة من فصاحة البيان أو روعة الأداء أو حلاوة التعبير أو قوة التأثير أو براعة التصوير أو غير ذلك مما اشتملت عليه لغة العرب - وانتفاء الاختلاف من بين آيات القرآن لهو أعظم دليل على إعجازيته؛ إذ لا يتأتى لبشر- كائنا من كان من البلاغة واللسن- أن يصوغ طويل الكلام ليأتي ذلك على وتيرة متسقة موحدة لا يتخللها شيء من معاني الاختلاف - والذي يتبدى للذهن مما هو معلوم من طريق المعاينة والحس أن كل كلام يحمل مضامين شتى وأخلاطا من المعاني والعقائد والأحكام لا بد وأن يخالطه اختلاف كثير بما تعنيه هذه الكلمة من مفاهيم في التباين والتعارض وغير ذلك من جوه الضعف التي تركب الأسلوب البشري مهما بلغ من القوة والعلوّ - لكن القرآن وحده ليس على شيء من"الاختلاف"ولا يعتريه شيء من ظواهر الضعف مهما امتد الزمن - ندرك ذلك في يقين ونحن نتصور كرّ الزمن الذي يمتد بالقرآن والذي نيّف على الأربعة عشر قرنا وهو ما فتئ على حاله من الاتساق والانسجام - بل إن امتداد الزمن يكسب القرآن مزيدا من الوضوح والجلاء لكثير من معانيه التي تتفجر للأذهان في سهولة ويسر والتي طالما كانت على قدر من الإجمال إلى أن اتضحت في ضوء الخبرات والتجارب والمعطيات العلمية الحديثة.
وفي هذا الصدد نستذكر إحدى خصائص القرآن المميزة وهي الجدة - بكسر الجيم - ومنه الجديد - فالقرآن لا تبدو عليه علامة واحدة من علائم البلى والقدم وهو في تناسق ألفاظه واتساق أسلوبه وسحر معانيه فإنه دائم الجدة كأنما تنزّل من أمد قريب - ولو كان هذا الكتاب من قول البشر أو أحد من خلق الله لتكشف عن مواطن الضعف والاختلاف حينا بعد حين ولظل يدفع بعضه بعضا أو يكذب بعضه بعضا كلما امتد بالناس الزمان وتجددت بهم الظروف والأحوال أو اختلفت القناعات والمقتضيات بفعل المعارف التي تتحصل وتتنمى بغير توقّف وبفعل التجارب العلمية التي تتمخض عن معطيات هائلة متجددة.
83 - (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا)