فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 2536

قوله: (وذكرهم بأيام الله) يعني ذكرهم بنعم الله وبلائه - فنعم الله عليهم كثيرة؛ فقد أعطوا من النعم والخيرات والمنن الكبيرة والكثيرة ما لم يُعط مثله أحد في العالمين سواهم - وذلك كالمن والسلوى، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانبجاس الماء الثجاج من الصخر - وأما بلاؤه: فبقهر فرعون لهم واستعباده إياهم وتقتيل أبنائهم وإذلالهم.

قوله: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الإشارة عادة إلى أيام الله؛ أي التذكير بأيام الله من النعماء، والبلاء فيه علامات كبيرة تكشف عن جلال الله وعظيم قدرته وحكمته (لكل صبار شكور) الصبار، الكثير الصبر على البلاء في سبيل الله - وكذلك الشكور، الكثير الشكر لأنعم الله - وذلك هو أمر المؤمن؛ فإنه يصطبر على البلاء بكل صوره، يبتغي بذلك رضوان الله، ثم يشكره على ما منّ به عليه من خير ونعمة - لا جرم أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا تحصى - منها نعمة العقل والسمع والبصر والإرادة وكل ظواهر الحس، وغير ذلك من وجوه الخيرات المادية والمعنوية التي أسبغها الله على عباده 8.

قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نسائكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} .

(إذ) ، منصوب على المفعولية بمضمر؛ أي اذكر لهم يا محمد وقت قول موسى لقومه (اذكروا نعمة الله عليكم) التي أنعمها عليكم وهي كبيرة وكثيرة - وذلك (إذ أنجاكم من آل فرعون) متعلق بقوله، (اذكروا) - أي اذكروا حين أنجاكم الله من فرعون وقومه الظالمين، أو اذكروا إنعام الله عليكم وقت إنجائكم من فرعون وملإه الطغاة المجرمين الذين كانوا (يسومونكم) من السوم أو السوام، وهو الذهاب في طلب الشيء - سام الإنسان ذُلًّا أو خسفا أو هوانا؛ أي أولاه إياه وأراده عليه 9 (سوء العذاب) مفعول ثان ليسومونكم؛ أي يذيقونكم شديد العذاب - والعذاب جنس العذاب المؤلم السيئ كاستعبادهم وإذلالهم وتسخيرهم للأعمال الشاقة في امتهان وتحقير (ويذبحون أبناءكم) معطوف على

(يسومونكم) - والمراد بالتذبيح هنا، قتل الأولاد الذكور ظلما وعدوانا، واستبقاء النساء - وهو قوله: (ويستحيون نسائكم) أي يبقونهن في الحياة مع الذل - لا جرم أن ذلك بلاء فظيع؛ لأن إبقاء النساء دون البنين مهانة وإذلال ومبعث اللوعات والأحزان في نفوسهن - وهو قوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) أي فيما تبين من فظيع الأفعال البشعة المذكورة ابتلاء من الله تعالى لتصبروا فتؤجروا ثم يكشف الله عنكم بعد ذلك ما حاق بكم من البلاء والمحن، وقيل: البلاء هنا بمعنى النعمة؛ أي في ذلكم نعم من ربكم عظيمة؛ إذ أنجاكم من فرعون وقومه الطغاة الظالمين؛ فالمشار إليه الإنجاء من ذلك - والبلاء يراد به الابتلاء بالنعمة؛ فإنه يكون بها كما يكون بالمحنة، وفي مثل ذلك يقول سبحانه: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت