فهرس الكتاب

الصفحة 1362 من 2536

عطف بإيتاء موسى الكتاب على الإسراء بمحمد (ص) ليلا - وذلك من باب الإخبار عن الغائب ثم الرجوع إلى الخطاب؛ فيكون معنى الكلام: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وآتى موسى الكتاب وهو التوراة (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) أي جعلنا التوراة بيانا لبني إسرائيل فيه هداهم ودليلهم الذي يستضيئون به فيمضون على المحجة الصحيحة وفيها من الأحكام والأوامر والعبر ما يحقق لهم السعادة والنجاة ما لم يضلوا أو يزيغوا أو يبتغوا غير سبيل الهداية والاستقامة.

قوله: (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) قيل: أنْ، زائدة؛ أي: لا تتخذوا من دوني وكيلا: وقيل أنْ، بمعنى أي - فيكون التقدير - أي لا تتخذوا وهو تفسير لقوله: (هدى) - وقيل: لئلا تتخذوا (من دوني وكيلا) 4 أي شريكا أو كفيلا بأمورهم - أو وليا ونصيرا من دوني.

قوله: (ذرية من حملنا مع نوح) (ذرية) ، منصوب على البدل من قوله: (وكيلا) وقيل: منصوب على النداء - وقيل: منصوب بتقدير الفعل أعني 5 - والمراد بالذرية: جميع أجناس الأمم من عرب وعجم وغيرهم - وذلك أن كل من على الأرض من بني آدم هم من ذرية من حملهم الله مع نوح في السفينة.

والمقصود: تهييج بني إسرائيل وتذكيرهم بنعمة الإنجاء من الغرق على آبائهم.

قوله: (إنه كان عبدا شكورا) كان نوح دائم الشكر لله - فكان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله - ومن أجل ذلك سمي عبدا شكورا - روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) :"إن الله ليرضى على العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها"6.

قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) } (وقضينا) بمعنى أعلمنا وأخبرنا - أو حكمنا - وذلك بيان من الله لبني إسرائيل أنه أخبرهم وأعلمهم في كتابهم التوراة أنهم سيعيثون في الأرض فسادا مرتين - وذلك بمخالفة أحكام التوراة، فضلا عن تزييف أحكامها ونصوصها بالتغيير والتبديل جريا وراء أهوائهم وطبائعهم السقيمة - إلى غير ذلك من وجوه الإفساد في البلاد كقتل الأنبياء والمصلحين من الناس، وإشاعة الفوضى والقلاقل والحروب بين الأمم، وكذلك تدمير الأديان والقيم والفضائل بما يفضي إلى شيوع الرذائل والإباحية والإلحاد.

قوله: (ولتعلن علوا كبيرا) لسوف تطغون وتتجبرون وتفجرون على الناس بظلمكم وطغيانكم وتسلطكم، وتثيرون بين الناس الشر والإرهاب.

قوله: (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) أي إذا جاء أولى المرتين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت