فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 2536

وقوله: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) (لم) ، أصلها لما، لأن ما استفهامية دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة 120 - هذا خطاب يحمل في مضمونه توبيخا لأهل الكتاب لجحودهم وسوء نواياهم وذلك على نحو من الاستفهام الإنكاري، فأهل الكتاب ينكرون ويجحدون آيات الله وهم على ذلك شهود - والمراد بآيات الله التي وبخهم الله على إنكارها هي الآيات الواردة في التوراة والإنجيل والتي تتضمن جملة أخبار وحقائق منها: البشارة بمحمد صلى الله عليه و سلم، ومنها: أن خليل الله إبراهيم كان حنيفا مسلما - ومنها أن الدين لهو الإسلام.

وقيل: المراد بآيات الله القرآن الكريم نفسه - هذا الكتاب العظيم الحكيم الحافل بالمعاني وظواهر الإعجاز - كل هذه الحقائق الباهرة كان أهل الكتاب يعلمون بها؛ إذ قرأوها في كتبهم واستيقنوها لكنهم أنكروها إنكارا - ولا يحفزهم إلى مثل هذا الإنكار الظالم غير الحقد والحسد - لا جرم أن هذه خسيسة من خسائس الطبع المريض - الطبع الموغل في ظلام الباطل والذي لا يستمرئ غير الرذيلة والفساد، ولا يتمل بذاته الملتوية غير سبيل الشر والعدوان - سبيل الشقاء والشيطان.

قوله: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) تلبسون من اللبس بالضم بمعنى الشبهة والخلط - والتلبيس: التخليط والتدليس نقول: في الأمر ليس أي إشكال، والتبس الأمر أي أشكل 121.

وإلباس الحق بالباطل معناه خلط الحق بالباطل ليختفي الحق نفسه فلا يظهر - وذلك بإلقاء الشبهات من حول الإسلام فيصار به إلى الخفاء والتعمية ليظهر بعد ذلك في صورة من صور الباطل، بما يثير في النفس الريبة والشك ونحو هذا الدين.

قوله: (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) أي يكتمون نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وما ورد من صفات له في التوراة والإنجيل بما يقطع أنه رسول الله إل البشرية كافة، لكنكم - أيها اليهود والنصارى- قد جحدتم كل ذلك وجعلتموه طي الخفاء والكتمان (وأنتم تعلمون) أي أنتم عالمون بما تقارفونه من خلط وتلبيس وافتراء على الإسلام وعلى نبيه عليه الصلاة والسلام - عالمون بأن هذا النبي حق وأن ما جاءكم به من دين لهو الحق - وعالمون أيضا بفداحة فعلتكم النكراء وهي تلبيس الحق وكتمانه.

قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اثني عشر حبرا من يهود خيبر قد تواطأوا فيما بينهم لبعث الريبة والشك في أذهان الضعفة من الناس، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به في آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه - فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم - وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم والمؤمنين 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت