إن المسألة لا تحتمل مثل شيء من هذا الذي حدث، إن هي إلا قصة مولود جيء به من غير نكاح، ولا يقع ذلك إلا بإذن الله، وهو القادر على كل شيء - نتصور سهولة ذلك وبساطة حدوثه عندما نستذكر مسألة الخلق بالنسبة لأبي البشر آدم عليه السلام؛ إذ خلقه الله من طين لازب؛ فليس ثمة أب وليس ثمة أم - ذلك كل الذي يقال ببساطة في مثل هذا الموقف كيلا نتعثر فيما تعثرت به الطوائف والأناسي من الخلاف والخصام وما أعقبه ذلك من فتن وخلافات وخصومات دينية معقدة مستعصية لا سبيل لفضها طيلة الدهر.
وقوله: (ولكن شبه لهم) والعبارة على هذا النحو تحتمل الإجمال مما حدا بالعلماء والمفسرين أن يدلوا بأقوال شتى في الكشف عن المقصود بالتشبيه - ولا نلمك في هذا المقام أن نخوض في الكشف والتبيين خوضا يعقبه تكلف - لكن الذي نملك أن نقوله أن قصة القتل والصلب كاذبة موهومة وكل الذي حصل أن ذلك شبه لهم، على ما في هذا التعبير من إجمال، سواء كان التشبيه بإلقاء صورة المسيح على أحد الحواريين فشابهه تماما، أو أن اليهود قد قتلوا الذي قتلوه وهم في شك إن كان هو المسيح أو غيره فظنوا ذلك ظنا.
قوله: (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه) واختلافهم فيه قد جاء في تفسيره جملة أقوال منها: أن المسيح إله وذلك غاية الإفراط الذي بلغه النصارى في تقديس عيسى عليه السلام - وقال بعضهم: بل هو ابن الله.
ومنها: أنه قد رفع إلى السماء ولم يقتل - وذلك قول فريق من قومه الذين عاينوا رفعه.
ومنها: أن عيسى قد صلب من حيث ناسوته لا من حيث لاهوته - بمعنى أن جانبه الإنساني هو الذي وقع عليه القتل والصلب، لكن جانبه الإلهي لا يقع عليه قتل ولا يحتمل شيئا من ذلك؛ لأنه يمثل جزءا من إله والقتل فيه غير متصور.
ومنها: أنه قد قتل وصلب من حيث ناسوته ولاهاوته معا - فقد وقع القتل على ما فيه من جانبين متكاملين.
وقيل غير ذلك من مثل هذه الأقوال المتكلفة المعقدة التي تقوم على الظن والتخمين، والتي لا يسعفها المنطق الثابت أو الحجة المعتبرة - لا جرم أن ذلك تفكير هائم سابح في غياهب الوهم الشاطح المريض - وهؤلاء الذين اختلفوا في المسيح على نحو ما بينا (لفي شك منه) أي في حيرة وارتياب مما حدث - فهم ليسوا على قطع أو يقين من وقوع القتل والصلب، ولكنهم مضطربون في ذلك وشاكون - وهم كذلك لا يسعفهم في الذي زعموا أية أثارة من علم أو دليل، وليس لهم في ذلك إلا الاعتماد على الظن والاستناد إلى التخمين أو الهوى المتعصب - وفي ذلك يقول سبحانه: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) اتباع منصوب على الاستثناء المنقطع - ثم تعاود الآية التأكيد مرة أخرى لتنفي مقتل المسيح أو موته، وأن ما أشيع عن قتله ليس إلا ظنا وما هو من اليقين في شيء (وما قتلوه يقينا) ما نافية - قتلوه جملة فعلية تتضمن فعلا ماضيا، والفاعل واو الجماعة، والضمير في محل نصب مفعول به - يقينا نعت لمصدر محذوف تقديره قولا وتقدير العبارة أن الله قال هذا قولا يقينا - فالله سبحانه يحسم المسألة في يقين لا يعتريه ظن أو شك أن عيسى لم يقتل (بل رفعه الله إليه) وقيل في قوله: (وما قتلوه يقينا) إنهم لم يقتلوه وهم متيقنون أنه هو، بل إنهم قتلوه وهم في شك من ذلك.
وقوله: (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) رفعه الله إلى السماء ويحتمل الرفع وجهين:
أحدهما: العلو المكاني المنوط بالمسافة والبعد.