القول الأول: إن الفرقان هو نفسه الكتاب وقد جيء به بعد الكتاب على سبيل التأكيد.
القول الثاني: معنى الفرقان هنا الفرج والمخرج، وذلك ما كتبه الله لبني إسرائيل بعد أن كانوا مقهورين أذلة تحت نير فرعون، ويعزز هذا القول الآية الكريمة: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) والمقصود به هنا انفراج الكرب والخروج من العسر والضيق.
القول الثالث: إنه بمعنى التفريق بين الحق والباطل، أي أن موسى قد أوتي التوراة وكذلك أوتي من الله علما يفرق به بين الحق والباطل وذلك هو الفرقان، وهو ما نميل إليه ونرجحه والله أعلم.
قوله: (لعلكم تهتدون) كاف المخاطب في محل نصب اسم لعل، والميم للحمع والجملة الفعلية المكونة من الفعل وواو الجماعة الفاعل في محل رفع خبر، وقد أنزل الله على بني إسرائيل كتابه التوراة فيه هداية لهم ونور لينجوا من الضلالة ويتجنبوا السقوط في براثن الشر بكل أشكاله.
54 - (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى باريكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير عند باريكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (إذ تفيد الظرفية الزمانية، وأصل موسى موشا، كما قيل وهما كلمتان تعني أولاهما ماء وتعني الأخرى شجر فقد سمي موسى بذلك لأنه كان مخبوءا في تابوت يطفو على سطح الماء ومن حوله أشجار وقد بقي كذلك حتى ألقاه قوم فرعون الذين التقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا.
أما القوم فهم جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، والواحد رجل، والجمع أقوام وقد سموا بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات، وقد تدخل النساء في القوم، فإن من المعلوم أن قوم كل نبي يتألف من الرجال والنساء، وينطبق على القوم كل من التذكير والتأنيث، فنقول: جاء القوم وجاءت القوم، وقوله: (يا قوم) أصلها قومي حذفت الياء للتخفيف، وهي يجوز إبقاؤها في غير القرآن.
قوله: (إنكم ظلمتم أنفسكم) ذلك تأكيد على أنهم أوقعوا أنفسهم في الظلم وهو في اللغة وضع الشيء في غير موضعه كما بينا سابقا، والظلم كثيرا ما يرد في القرآن بمعنى الشرك، وهو ما سقط فيه بنو إسرائيل عندما اتخذوا العجل لهم معبودا من دون الله، فهم بذلك قد ظلموا أنفسهم وأوردوها سوء المورد وهو الشرك بسبب اتخاذهم العجل إلها، وهم من أجل ذلك قد استحقوا من الله العذاب ليتوب عليهم بعد ذلك - فما كان لجريمتهم النكراء هذه أن تمر بغير حساب في هذه الدنيا، وما كان الله ليتوب عليهم قبل أن يجهدهم بعظيم البلاء وهو بلاء لا جرم أن يكون شديدا - وهو ما يشير إليه قوله سبحانه: (فتوبوا الى باريكم فاقتلوا أنفسكم) والبارئ هو المبدع للشيء المخترع له، أو المحدث الي يصنع الشيء على غير مثال سبق، أما الخالق فهو من الخلق ويعني التقدير، فالخالق هو المقدر الذي ينقل الشيء من حال إلى حال.
أمر الله بني إسرئايل الذين كانوا مع موسى أن يعلنوا توبتهم بالقتل، وذلك لقوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) وقد جاء في كيفية ذلك بضع أقوال للمفسرين نقتضب اثنين منها، أما الأول فهو أنهم وقفوا صفين متقابلين فقتل بعشهم بعضا، من غير تمييز، وقد ظلوا على تلك الحال من الاقتتال حتى سقط منهم خلق كثير ثم تاب الله عليهم من بعد ذلك.