فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 2536

قوله: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} هكذا أوصى كل من إبراهيم ويعقوب بنيه - أوصاهم باتباع الملة الحنيفية السمحة والالتزام بدين الله الذي ارتضاه واصطفاه لهم - وبناء على ذلك وصى كل منهم بنيه بخير وصية، وهي ألا يموتوا إلا وهم مسلمون - وفي ذلك تنبيه لهم بدوام الاستقامة والالتزام بشرع الله، فلا يميلوا أو ينحرفوا؛ لأن المرء إنما يبعث يوم القيامة على هيئته في آخر حياته - فإن كانت هيئته وحاله على معصية الله بعث يوم القيامة مع العصاة والفساق - وإن كانت هيئته وحاله على طاعة الله بعث مع الأخيار والفائزين؛ ومن أجل ذلك يوصي إبراهيم ويعقوب بينهم أن يكونوا في حياتهم على صراط الله المستقيم، وأن يحافظوا على الملة وما تقتضيه من الأوامر والتكليفات، وأن يحاذروا المعاصي والمحرمات باستمرار؛ كيلا يفجأهم الموت وهم على حال من الفسق عن أمر الله فيبعثوا فاسقين.

قوله: {أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي} ذلك توبيخ للكافرين من مشركي العرب وأهل الكتاب وهم النصارى واليهود - فقد كان هؤلاء جميعا يتشبثون كذبا بانتسابهم لملة إبراهيم عليه السلام، مع أن إبراهيم كان على الحنيفية القائمة على التوحيد، أما هم فإنهم مشركون فساق مجانبون للحنيفية والتوحيد، وموغلون في الشرك والوثنية والضلالات، بل إنهم جميعا ضالعون في الموبقات والآفات بكل صورها وأشكالها.

وفي هذه الآية توبيخ لهؤلاء الكافرين جميعا كأنما يقول لهم: هل شهدتم يعقوب وهو يوصي بنيه بما أوصاهم به؟! والحقيقة أنكم لم تشهدوه ولم تعلموا عن ذلك شيئا - والمعلوم أن يعقوب إذ حضره الموت قال لبنيه وهم مجتمعون من حوله: {ما تعبدون من بعدي} أي سألهم عن حقيقة معبودهم من بعده وذلك على سبيل التنبيه إلى ضرورة الاستمساك بالملة السمحة، ملة أبيهم وإبراهيم والذين جاؤوا من بعده من النبيين، وعلى سبيل التحقق من سلامة إجابتهم؛ ليطمئن قلبه وهو يدنو من الموت ويوشك أن يبارح الدنيا.

فكان جوابهم مثلما أراد {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا} فملة التوحيد واحدة لا تتجزأ ولا تحتمل اختلافا - وإنما هي الحنيفية الحقة التي قامت عليها الأديان السماوية جميعا بداء بأبي البشر آدم وانتهاء بالنبي الخاتم صلوات الله عليه - وهم جميعهم تشدهم عقيدة ملتئمة واحدة، ويجمعهم دين واحد وهو الإسلام الذي يعني الاستسلام والخضوع لله وحده والذي يقوم أساسا على التوحيد الكامل والإقرار لله سبحانه بالعبودية المطلقة - قال سبحانه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} .

وفي الحديث النبوي الشريف ما يدل على الوحدة في الدين والعقيدة، والتفاوت في الشرائع"نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد"120 والمراد بأولاد العلات، الأخوة لأب واحد وأمهات متعددة - وفي هذا التشبيه ما يبين أن النبيين جميعا يلتقون على صعيد الملة الواحدة وهي ملة التوحيد، ويتفاوتون من حيث الشرائع التي تغطي مقتضيات الأحوال والظروف والبيئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت