وقد قيل: إن هذه الآيات نزلت في الصحابي الأجلِّ، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارث الشرف والعلم والتُّقى، علي بن أبي طالب، وفي عدو الله، الشقي الخصيم، والعاتي اللئيم، عقبة بن أبي معيط - لا جرم أنها لا يستويان - فأولهما مؤمن صدوق كريم، وثانيهما خبيث وعتلٌّ وأثيم.
على أن الآية تنسحب في معناها ومقتضاها على الصنفين من الناس في كل زمان، وهما صنفان متباينان مفترقان؛ فصنف مؤمن موقن بحقيقة ما أنزل الله على النبيين، والآخر فاسق عن أمر الله، منقلب على وجهه انقلاب التاعسين الخاسرين الهلكى.
قوله: {أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى} أعدَّ الله للمؤمنين الطائعين خير المنازل في الجنات يوم القيامة - وهي مأواهم الأبدي الدائم الذي لا يظعنون عنه ولا يرتضون بغيره بديلا عنه {نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النُّزُل، العطاء، أو ما يُعد للضيف من حسن الضيافة وبالغ التكريم - وذلك بسبب ما علموه في حياتهم الدنيا من الطاعات وفعل الصالحات.
قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي الذين خرجوا عن طاعة الله وعصوا أمره ولجوا في جحودهم وعصيانهم، فأولئك صائرون إلى مأواهم وهو مكان إقامتهم المستديمة في النار.
قوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} يجهد المجرمون وهم في النار يحترقون - بالغ الجهد ليخرجوا من النار لشدة ما يجدونه من فظاعة العذاب والتحريق حيث النار الحامية المتسعِّرة التي تحرق فيهم الأبدان والجسوم جميعا.
لكنهم يعادون إلى النار مزجورين مدفوعين بغلظة - وهو قوله: {أُعِيدُوا فِيهَا} ؛ إذ تضربهم الملائكة بالمقامع لتعيدهم إلى النار مكبوتين مقهورين {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تقول لهم خزنة جهنم هذا الكلام على سبيل التقريع والتوبيخ، وزيادة لهم في التنكيل والإيلام بسبب تكذبيهم بهذا اليوم الموعود وما فيه من شديد الحساب والجزاء.
قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} العذاب الأدنى يراد به مصائب الدنيا، وأسقامها، وآفاتها، وما يحل بأهلها من وجوه البلاء على اختلاف أشكاله مما يبتلي الله به عباده - وهو قول ابن عباس - وقيل: المراد به عذاب القبر - والمعنى الأول أظهر - أما العذاب الأكبر فهو الخلود في النار يوم القيامة حيث التحريق والتنكيل والويل الدائم الذي لا يزول - وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعل المعذبين بالعذاب الأدنى من الأسقام والهموم ومختلف الآلام في هذه الدنيا {يَرْجِعُونَ} أي يتوبون إلى ربهم فيبادرون التصديق والطاعة ومجانبة الشرك والباطل.